الاثنين، مارس 30، 2026

سونا بين الصراع والدعوة للسكون

 

في إطار فعاليات الدورة الخامسة والثلاثين من أيام الشارقة المسرحية قدمت مسرح دبي الأهلي عرض "سونا" من تأليف طلال محمود وإخراج مروان عبد الله صالح، والذي يدور في عالم السونا حيث يتلاقى مصادفة أربعة شخصيات تنتمي لفئات اجتماعية مختلفة أولهم (ناصر ميكرفون) والذي قام بأداء دوره (سالم التميمي) وهو يعمل كمذيع بالإذاعة، ويزور السونا لأول مرة في حياته لقرب موعد زفافه والذي يحاول طوال الوقت أن يتحدث ويتواصل مع الجميع مما يجعل تلك الشخصية هي الأداة الأيسر لبدء السجال الممتد على مدار العرض بين الشخصيات الدرامية الأخرى وهم (سالم المنازع) رجل الأعمال المستاء من الجميع  - واداها (عبد الله بن حيدر)- (آدم) المتشدد دينيًا – وأداها (خليفة الجاسم) – وأخيرًا (وليد المهاجر) الكاتب المتشكك – وأداها (عبد الله صنقور) - حيث تتصادم الشخصيات في ما بينها داخل فضاء مغلق زاد المخرج من محدوديته عبر تقليص مساحة الأداء، لكن الحدث الأهم دراميًا يأتي متأخراً مع إغلاق الباب وتجمدهم حتى الموت، حيث يحدث التحول الدرامي للشخصيات نتيجة ذلك الحدث الخارج عن إرادتهم، لينتهي العرض بأربع مونولوجات وتوبة لشخصية وليد عن تشككه في الله قبل موته. لينتهي العرض بدخول مجموعة إنقاذ تصل متأخرة، وصوت مسجل يتحدث عن أن ما قتل تلك الشخصيات ليس المكان المغلق بل انشغالهم ببعضهم البعض في خطاب ينقلب على العالم الذي يقوم العرض ببنائه طوال الوقت، حيث يتحول العرض من فضاء للصراع بين أفكار لمقولة تستنكر الصراع بين تلك الأفكار ويدعو إلى تسكين لكل صراع وأن الحياة أقصر عمرًا من أن نقضيها في الصراع بين الأفكار.

إن ذلك التناقض الذي يواجه العرض بين الصراع الفعلي الذي يدور بين الشخصيات/الأفكار وبين المقولة الختامية التي تأتي من صوت خارجي مسجل ربما يمكن أن يكون مدخلًا مناسبًا لقراءة العرض والأزمات التي يواجهها، بداية من بناء فضاء الآداء الذي تخلى عن الفضاء المسرحي التقليدي ولجأ إلى فضاء مغلق بين قاعتي عرض بيت الشعر بالشارقة، وهو خيار ساهم في تأكيد حالة الحميمية لكن وعلى الرغم من تلك الحالة التي يسعى العرض إلى تخليقها بالخروج من حالة الانفصال بين فضاء العرض وفضاء التلقي، إلا أنه في خياره لبناء الفضاء عاد لذات الثنائية القائمة على الانفصال والمباعدة من خلال فصل مساحة الأداء عن فضاء التلقي، وبالتالي العودة إلى ذات الشروط التي حاول أن يهرب منها؛ إن ذلك التناقض امتداد للتناقض الأساسي الذي أشرنا إليه، فالعرض يسعى لبناء فضاء للصراع بين الأفكار لكنه ينتهي إلى مناهضة هذا الفضاء أصلًا والانقلاب عليه وهو ذاته ما فعله على مستوى عمليات تشكيل فضاء العرض والانقلاب على خياراته.

على مستوى أخر فإن ذلك التناقض على مستوى الخطاب الخاص بالعرض لم يحضر في العرض إلا عبر لحظات عابرة تمثلت في قيام الشخصيات – كل على حدا - بالتراجع عن الخروج من غرفة السونا للاستمرار ومواصلة التناحر في ما بينهم، وهو ما يرتبط بالطبيعة الواقعية لبناء الشخصيات التي تمتاز كلها (عدا شخصية ناصر) بالتمسك بمواقفها وقناعتها واصرارها على الانتصار لها في مواجهة الأفكار النقيضة التي تطرح، حيث يطرح العرض صراع الأفكار بوصفه صراع ذوات تسعى لتأكيد حضورها في العالم وليس بوصفهم حاملي أفكار؛ ولعل ذلك الميل لتأكيد الطبيعة الواقعية يظهر ليس فقط في بناء الحوار والشخصيات بل في تصميم المنظر المسرحي ومحاولة محاكاة غرفة السونا واقعيًا من خلال الديكور على مستوى التشكيل أو الطبيعة اللونية المستخدمة.

بالطبع فإن ذلك الميل الواقعي الذي يستهدف في مستوى ما تحويل الصراع الفكري الذي يدور بين الشخصيات إلى مجرد عرض جانبي لصراع ذوات هو جانب أساسي من رهانات العرض، وهو ما انعكس على الأداء التمثيلي بدرجات مختلفة، كما أنعكس على تصميم الإضاءة أيضًا بدرجات مختلفة؛ لكن ما يطرحه العرض يظل في الأساس تعبير عن التناقضات الأساسية التي تواجهها المجتمعات العربية في تلك اللحظة التاريخية المرتبكة، حيث تعرضت المنطقة لكثير من الهزات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية نتيجة للصراعات الكبرى التي تشهدها والتي هي في أساسها صراعات بين رؤى متناقضة ومتصارعة على المستقبل، لكن ما خلفته من فوضى وأزمات إنسانية دفع بالكثيرين إلى الارتداد والقلق من الأفكار الكبرى التي تتصارع، والتعامل معها بوصفها الخطر الحقيقي الذي يواجهنا وليس مسائلتها بوصفها أعراض للأزمة التاريخية التي تحياها المنطقة.

 ربما يكون عرض سونا في مستوى أخير هو تعبير عن ذلك القلق التاريخي الذي نعيشه، حيث تتجاور وتتصارع الرؤى الاقتصادية الرأسمالية التي يمثلها خطاب رجل الاعمال(سالم المنازع) مع أفكار عقائدية وسياسية تزداد تطرفًا وعمقًا يومًا بعد يوم، قلق تصادم معه العرض وحاول مراوغته عبر نفيه ككل من خلال صوت خارجي يحمل حكم بعبثية ذلك الصراع ككل، ويؤكد على أن الركون للهدوء والسكون ربما يكون هو الحل الأمثل في مواجهة مثل تلك الفوضى التي لا يمكن مواجهتها، لكن ذلك الخيار ربما يظل مجرد أمنية مثالية عالقة يبحث عن سكون غرفة السونا بوصفها لحظة هروب من العالم .

 

ليست هناك تعليقات:

سونا بين الصراع والدعوة للسكون

  في إطار فعاليات الدورة الخامسة والثلاثين من أيام الشارقة المسرحية قدمت مسرح دبي الأهلي عرض "سونا" من تأليف طلال محمود وإخراج مرو...