السبت، مارس 21، 2026

الإنتاج المسرحي المصري تلاشي المركزية وتعثر الاستقلال

 

سوف تنطلق تلك الشهادة – إن جاز تسميتها بذلك – من تأمل في المسارات الإنتاجية المالية والجمالية للمسرح المصري خلال ثلاثين عاما من متغيرات تابعتها وعاصرتها بوصفي فاعلا أو مستفيدا أو معارضا متضررا. في بعض الأحيان كانت العلاقة بين طبقات تلك المسارات متناغمة، وفي أحيانٍ أخرى كانت شديدة العنف، كما تعرضت تلك المسارات لانقطاعات درامية وانحرافات وتعريجات وتسارعات... إلخ، قبل أن نصل في النهاية للحظة شديدة الحدة والإرباك مع تفكك نظام عالمي كامل، وأزمات اقتصادية عنيفة ومتتالية داخليًا، وتخبط وجماليات هجينة وقلقة.... ثلاثون عاما من الحراك الدائم على المستويات السياسية والاقتصادية والفنية.

في البداية ربما وجب تأمل وضع النقاشات الجادة حول الإنتاج المسرحي التي تتقلص إلى مستوى سرديات الشكاوى والاتهامات والوساوس التآمرية والتجارب الذاتية، وذلك في مقابل التكتم وانعدام الشفافية اللذين يحيطان بالميزانيات وآليات توزيع المخصصات المالية والإنتاجية الخاصة بالجهاز التنفيذي للدولة؛ لتبقى تلك النقاشات تدور في الغالب حول المعلومات القليلة المتوفرة أو الخبرات المكتسبة – لدى البعض – بكيفية عمل الجهاز الإداري للدولة، والمسارات الرسمية، والأبواب الخلفية التي تسلكها عمليات الإنتاج. وفي العادة أيضًا ما تنتهي تلك المحادثات إلى أنين وأسى من تسلط القواعد والقوانين واللوائح والسلطات المطلقة التي يمتلكها المسؤول الإداري، وقليل من المطالبات ومقترحات تتنوع بين الحض على سياسات أكثر مركزية أو التشجيع على تفتيت تلك المركزية.

بالطبع يدرك الجميع السبب الأساسي لذلك الوضع المتأزم الناتج عن تكوين النظام السياسي والثقافي وانعدام الشفافية المالية؛ ليصبح الحل الوحيد الممكن هو تلك المبادرات المؤسسية والفردية التي تسعى لتقليل الضغوط قليلًا عبر عمليات إحلال الأجزاء المعطوبة والمعوقة في النظام الإنتاجي بممارسات أو قواعد جديدة سرعان ما تعطب بدورها، كونها لا تنطلق من تصور شامل لعملية هيكلة كاملة للنظام، وهو ما يجعلنا أمام وضع يتطور وفق تبدلات الاقتصاد والسياسة العامة، سواء التي يتم تطويرها داخليًا أو التي يتم فرضها من الخارج. ليصبح التتبع التاريخي الهابط من مستوى الاقتصاد السياسي هو الطريقة الأبسط والأكثر موثوقية.

العودة للماضي

سوف أعود لبداية التسعينيات حين كانت المتغيرات السياسية والاقتصادية تعصف بالعالم مع تفتت الكتلة الاشتراكية وسيادة تيار أيديولوجي متشدد من الليبرالية الغربية (النيوليبرالية)؛ والذي قُدم بوصفه الحل الأخير والنهائي للأزمات الناتجة عن زمن الرفاه الاجتماعية والأفكار الكينزية، كما قدم بوصفه التيار المنتصر سياسيًا وأيديولوجيًا على الاشتراكية وهيمنة الدولة على الاقتصاد، وأخيرًا قدم ذلك التيار بوصفه الطريق الأكثر موثوقية للحصول على الحريات الشخصية الكاملة، والسبيل المضمون للتخفف من الهيمنة التاريخية للسلطة، إن لم يكن مقاومة حضورها الطاغي عبر سياسات الحد الأدنى من التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي. وفي المقابل من ذلك كانت الدولة المصرية داخليًا تعاني من أزمات الديون الخارجية وتضخم القطاع الحكومي والعام، وكان الحل المعتمد سياسيًا هو الانسحاب التدريجي للدولة من الدعم (بمستوياته المختلفة) وتقليص جهاز الدولة الإداري وتفكيك القطاع العام، وهو ما يتماشى مع مطالبات الخارج لفتح الأسواق. لكن الدولة المصرية لم تتخارج من الهيمنة على الاقتصاد، ولم تسع لتخفيف سلطة الدولة وقمعها للحريات العامة والشخصية؛ لينتج وضع سياسي واقتصادي غاية في التعقيد لم يزل حاضرًا حتى كتابة ذلك المقال.

في ظلال تلك المتغيرات بدأت الآثار الجانبية لجمود الإنتاج الحكومي المسرحي في البروز والتجسد في صورة منتج مسرحي يستعيد بروتينية مميتة تقنيات وجماليات مكرورة، مما جعل من المألوف رؤية المسرح المصري يدور في فلك زمن انتهى؛ سواء على مستوى العلاقة بين المنتج الفني والدولة بوصفها منتجًا، أو على مستوى الأفكار والجماليات الفنية السائدة.

في ذلك الوقت من بداية التسعينيات، وفي ظل ذلك الوضع المزدوج، انطلقت روح جديدة في المسرح المصري؛ روح متفائلة ومثالية تسعى للحرية الفنية والانفتاح على عالم جديد لا يعدنا بالعدالة بل بالحريات العامة والشخصية. ومن هذا التفاؤل المبدئي بدأت مسيرة نقد مركزية السلطة الثقافية والسعي للاستقلال على كافة المستويات، بداية من أنماط الإنتاج وليس نهاية بالجماليات والأفكار والتوجهات الفنية. مسيرة بدأت في بداية التسعينيات بتفاؤل تاريخي، لكنها فقدت مع الوقت تلك الحيوية وذلك اليقين لتتحول مع الوقت إلى جسد فاقد الحياة، لكنه يتحرك بالقصور الذاتي.

في ظلال تلك التحولات الكبرى والخيارات التاريخية بدأت تجربتي الشخصية – بوصفي ناقدًا – داخل حراك الحركة المسرحية المصرية؛ تجربة عاصرت خلالها طبقات المتغيرات والصراعات والاختلافات والسياسات والجماليات التي لم تسر كلها في اتجاه واحد بقدر ما خلقت، مع تقدمها، العديد من المسارات المتنوعة الاتجاهات والمتقاطعة أحيانًا والمتصادمة في أحيان أخرى. تجربة لم يتأثر بها المنتج المسرحي وجمالياته والأفكار والثيمات وأساليب المعالجة الدرامية والبصرية وتقنياتها فحسب، بل امتدت إلى – ونتجت عن – السياسات الإنتاجية والمصادر المالية. حركة كاملة يمكنك أن ترى فيها الذوات الفردية - للمبدعين والإداريين والنقاد- وهي تتحرك وتتفاعل وتؤثر، كما يمكنك أن تجد فيها السلطة وهي تتقدم وتُمارس وتسحق المشاريع والأفراد لتعلن بقسوة أن الأفراد مجرد وجوه مستعارة لسلطة عابرة للتنوعات بلا وجه.

المسارات والطبقات

لسنوات طويلة كان السؤال الأكثر إلحاحا بالنسبة لي يتعلق بكيفية تشكل العرض المسرحي، سواء على مستوى الخطاب الخاص بالعرض أو عمليات التأويل الممكنة التي تتيح التفسير الطبيعي والبديهي وتقمع الغامض أو الملتبس أو غير المنتج للمعنى؛ حيث سعيت للإجابة عن ذلك السؤال عبر اعتماد أسلوب ومنهجية للتعامل مع العرض بوصفه تجسيدا للخطاب السائد وللتحديات والصراعات الاجتماعية والثقافية والسياسية المشتعلة، سواء على مستوى التقنيات التي يعتمدها أو كيفية بناء جمالياته وتعبيره عن الأيديولوجيا التي يتبناها.

بالنسبة لتلك المنهجية التي اعتمدتها في عملي فإن العرض المسرحي هو ممارسة جمالية واجتماعية تتخطى سلطة المخرج والممثل والسينوغراف المباشرة، نحو التعبير الجمالي عن واقع كامل؛ للحد الذي يصل في بعض الأحيان لخفوت تحليل العرض المسرحي نفسه لصالح ما كنت أعتقد أنه القوى الحقيقية التي يفترض أنها بلا حضور مباشر في العرض المسرحي (الواقع السياسي/الاقتصادي – الوضعيات الاجتماعية – الثقافة وحضور الذات والآخر) ....

كان ذلك الطموح غالبا ما يقود بشكل مباشر مجموعة من المسارات التحليلية التي تنطلق من تأمل العلاقة بين أنماط الإنتاج المسرحي والعرض المسرحي، مرورا بتحليل الإدارة الثقافية وآليات اتخاذ القرار وكيفيات بناء العرض وارتباطه بحجم التمويل ومصادره، وذلك من خلال التفكير في العرض المسرحي بوصفه نموذجا لعمليات الهيمنة الجرامشية وأدوات التحليل الحكمانية.

على مستوى تأمل العلاقة بين أنماط الإنتاج المسرحي والعرض المسرحي فإن ذلك قاد إلى تحليل عدد من المستويات، بداية من السياسات العامة التي انطلقت في بداية التسعينيات نحو تبني نموذجها الخاص من النيوليبرالية (التسلط الحكومي على الحريات والاقتصاد في مقابل الانسحاب من عمليات الدعم) عبر دعاوى التخلص من الدعم للممارسة المسرحية، والتي تلاقت مع انفتاح جزئي على دخول مؤسسات بديلة تستهدف التحرك في الفراغ الثقافي والهوامش غير المشمولة بالدعم، مثل المراكز الثقافية الأجنبية التي دخلت إلى المجال المسرحي وهي تحمل أجندة سياسية تستهدف بشكل محدد الحريات العامة والشخصية في مقابل الخطاب الوطني الإصلاحي السائد في الإنتاج الرسمي لمسرح الدولة. وبين هذين النمطين ولد نمط ثالث سوف يكون هو النموذج الإنتاجي الأكثر قبولًا والأقل حظًا، وهو التمويل الحكومي المشروط الذي وجد تحققه المباشر في تجربة نوادي المسرح التي وصلت في مرحلة من مراحل صعودها إلى إقران اسم الفرقة المسرحية مع اسم الجهة المنتجة (الهيئة العامة لقصور الثقافة) قبل أن يتراجع المشروع ككل للحدود الدنيا مع تطبيق قواعد رقابة المصنفات الفنية عليها. وقد أدى ذلك التنوع في الأنماط إلى تشكيل أنماط جمالية وخطابية دعمت مجموعة من المشاريع الفنية الكبرى (المسرح الشعبي – التيارات التجريبية والطليعية – تيار المسرح السائد التجاري الكوميدي/الموسيقي). بالطبع فإن كل تيار من تلك التيارات أوجد الجماليات الخاصة به والمميزة، سواء على مستوى النصوص أو النماذج الجمالية البصرية وأساليب الأداء، لكن من ناحية أخرى لم تخلق حدودا صارمة بين تلك التيارات، حيث تفاعلت فيما بينها وأنتجت تخوما ممتدة عبر تلك الأقاليم الجمالية المتجاورة. ولعل المثال الأبرز على ذلك هو المسرح الجامعي الذي تطور خلال العقدين الماضيين ليصبح أكثر تفاعلا وتجاوبا مع الشروط الرقابية من ناحية، واقترابًا من تقاليد المسارح التجارية معتمدًا على الدراما الغنائية والكوميديا والتعاطي مع الأنواع الأدبية الأكثر جماهيرية مثل السير الذاتية (النماذج الفردية الناجحة) أو الدراما البوليسية والنفسية والخيالية، والابتعاد عن المغامرات الطليعية والقضايا الاجتماعية بشكل متصاعد مع استفادته من جماليات المسرح الطليعي والتجريبي.

لقد أدى ذلك النموذج للانسحاب والتقشف الحكومي المقترن بتصاعد القمع السياسي إلى تخليق مستوى مزدوج من السيادة؛ حيث احتفظت الدولة بحقوق المراقبة والمنع والمعاقبة والاستثناء، بينما ساد على المستوى الجمالي سيادة الذوق العام للطبقة الوسطى المأزومة الباحثة عن نماذج للريادة الناجحة للذات الفردية مثل أم كلثوم، وتراجع للتجارب الجمالية المعارضة للهيمنة الثقافية والاقتصادية لقيمها السياسية والدينية. لم تتأكد مركزية جمالية خطابية تؤكد هيمنة الطبقة الوسطى، كما لم تولد نماذج جمالية وخطابية نقدية مستقلة من تلك الهيمنة.

على مستوى تحليل الإدارة الثقافية وآليات اتخاذ القرار، خاصة في مجال المسرح المدعوم حكوميا، فإن تحليل اللغة الإدارية يمكن أن يكشف لنا عن الميل المتصاعد نحو تبني لغة تنموية ودخول مصطلحات مثل الصناعة الثقافية والتمويل والتسويق إلى الخطاب الخاص بتلك المؤسسات، وهو ما يعيد ضبط العلاقات الفنية والإنتاجية ونوعيات العروض المسرحية، وبالتالي تحديد ما يمكن أن يكون ناجحا ومقبولا وما يعتبر فاشلا. ولعل تجارب مثل تجارب إسلام إمام وخالد جلال والأجيال التالية لهم في مسرح الدولة تحدد التوجهات العامة للإدارة الثقافية في عمليات الإنتاج في مقابل تجارب فنية أصبحت أقل حضورا وأقل قبولا. هذا ليس تقييمًا جماليا، بل تحديد للكيفيات التي يتم على أساسها تحديد ممارسات القمع والاستبعاد والتضمين، والتي تتضمن كذلك كيفيات بناء وعمل وتوجهات لجان القراءة والتحكيم والتسابق، وأساليب وتوجهات الثقافة والتدريب المسرحي، وهو ما يدفع نحو تحويل الفن إلى جزء من ماكينة الدعاية السياسية للتوجهات الليبرالية في الحد الأدنى، والتأكيد على الفرد المتميز والحنين للماضي اللذين يميزان التوجهات الفنية المقبولة من الطبقة الوسطى. وفي المقابل نجد المسارح المستقلة والتجارية... إلخ، تميل لتبني ذات النماذج، بحيث تُصاغ الأجساد والسلوكيات ضمن انضباطية شديدة التعقيد داخل المؤسسات التعليمية والتدريبية المسرحية لتصبح أكثر قابلية للدخول ضمن ذلك التصور للإدارة الثقافية. ولعل ذلك يكشف كيف أن الخطاب النقدي السائد يقوم بتحليل بناء العرض عبر ربطه بحجم التمويل ومصادره، وارتباطه بالبنية الأساسية المتمثلة في التجهيزات وحجم التمويل بوصفها قاعدة أساسية في تقييم جماليات العرض المسرحي.

أين وصلنا؟!

إن تلك الرحلة التي امتدت عبر ثلاثين عاما جعلتني أصل إلى قناعة أن وهم الاستقلال التام مجرد مُسكن طوباوي يستهدف ترسيخ السلطة المزدوجة لخطاب الطبقة المهيمنة "الطبقة الوسطى"، وهي تعاني من تراجع تاريخي متصاعد منذ السبعينيات حتى اليوم (مع مراحل استقرار مؤقت وانتصارات جزئية مثل ثورة 25 يناير).وفي المقابل تلك الهيمنة سيطرة أسلس لأجهزة الدولة على المحيط الخاص بالممارسة المسرحية حيث منحت قدرا من حرية الحركة في عمليات تشكيل العرض المسرحي ضمن مستويات وأنماط إنتاجية، بينما قامت بتقليم أظافر وقمع أنماط أخرى وتقييدها. ومن ناحية أخرى أتاح انسحاب الدولة من الدعم بروز الحريات الشخصية بوصفها بديلا للحريات العامة والقضايا الاجتماعية، وهو ما فتح الباب لنوعيات الإنتاج القائم على السير الذاتية والدراما البوليسية والخيالية. بالمجمل لم تتحقق المركزية التي تتيح مساحات للحركة للمؤسسات الخدمية والتنموية لإتاحة الفضاء الكافي للتجارب الجمالية المغايرة للسائد، ولم يتحقق الاستقلال الكامل من السيطرة الحكومية للتفاعل مع المتطلبات الاقتصادية وقواعد السوق الحر والعرض والطلب...

ليست هناك تعليقات:

الإنتاج المسرحي المصري تلاشي المركزية وتعثر الاستقلال

  سوف تنطلق تلك الشهادة – إن جاز تسميتها بذلك – من تأمل في المسارات الإنتاجية المالية والجمالية للمسرح المصري خلال ثلاثين عاما من متغيرات تا...