الاثنين، مارس 30، 2026

سونا بين الصراع والدعوة للسكون

 

في إطار فعاليات الدورة الخامسة والثلاثين من أيام الشارقة المسرحية قدمت مسرح دبي الأهلي عرض "سونا" من تأليف طلال محمود وإخراج مروان عبد الله صالح، والذي يدور في عالم السونا حيث يتلاقى مصادفة أربعة شخصيات تنتمي لفئات اجتماعية مختلفة أولهم (ناصر ميكرفون) والذي قام بأداء دوره (سالم التميمي) وهو يعمل كمذيع بالإذاعة، ويزور السونا لأول مرة في حياته لقرب موعد زفافه والذي يحاول طوال الوقت أن يتحدث ويتواصل مع الجميع مما يجعل تلك الشخصية هي الأداة الأيسر لبدء السجال الممتد على مدار العرض بين الشخصيات الدرامية الأخرى وهم (سالم المنازع) رجل الأعمال المستاء من الجميع  - واداها (عبد الله بن حيدر)- (آدم) المتشدد دينيًا – وأداها (خليفة الجاسم) – وأخيرًا (وليد المهاجر) الكاتب المتشكك – وأداها (عبد الله صنقور) - حيث تتصادم الشخصيات في ما بينها داخل فضاء مغلق زاد المخرج من محدوديته عبر تقليص مساحة الأداء، لكن الحدث الأهم دراميًا يأتي متأخراً مع إغلاق الباب وتجمدهم حتى الموت، حيث يحدث التحول الدرامي للشخصيات نتيجة ذلك الحدث الخارج عن إرادتهم، لينتهي العرض بأربع مونولوجات وتوبة لشخصية وليد عن تشككه في الله قبل موته. لينتهي العرض بدخول مجموعة إنقاذ تصل متأخرة، وصوت مسجل يتحدث عن أن ما قتل تلك الشخصيات ليس المكان المغلق بل انشغالهم ببعضهم البعض في خطاب ينقلب على العالم الذي يقوم العرض ببنائه طوال الوقت، حيث يتحول العرض من فضاء للصراع بين أفكار لمقولة تستنكر الصراع بين تلك الأفكار ويدعو إلى تسكين لكل صراع وأن الحياة أقصر عمرًا من أن نقضيها في الصراع بين الأفكار.

إن ذلك التناقض الذي يواجه العرض بين الصراع الفعلي الذي يدور بين الشخصيات/الأفكار وبين المقولة الختامية التي تأتي من صوت خارجي مسجل ربما يمكن أن يكون مدخلًا مناسبًا لقراءة العرض والأزمات التي يواجهها، بداية من بناء فضاء الآداء الذي تخلى عن الفضاء المسرحي التقليدي ولجأ إلى فضاء مغلق بين قاعتي عرض بيت الشعر بالشارقة، وهو خيار ساهم في تأكيد حالة الحميمية لكن وعلى الرغم من تلك الحالة التي يسعى العرض إلى تخليقها بالخروج من حالة الانفصال بين فضاء العرض وفضاء التلقي، إلا أنه في خياره لبناء الفضاء عاد لذات الثنائية القائمة على الانفصال والمباعدة من خلال فصل مساحة الأداء عن فضاء التلقي، وبالتالي العودة إلى ذات الشروط التي حاول أن يهرب منها؛ إن ذلك التناقض امتداد للتناقض الأساسي الذي أشرنا إليه، فالعرض يسعى لبناء فضاء للصراع بين الأفكار لكنه ينتهي إلى مناهضة هذا الفضاء أصلًا والانقلاب عليه وهو ذاته ما فعله على مستوى عمليات تشكيل فضاء العرض والانقلاب على خياراته.

على مستوى أخر فإن ذلك التناقض على مستوى الخطاب الخاص بالعرض لم يحضر في العرض إلا عبر لحظات عابرة تمثلت في قيام الشخصيات – كل على حدا - بالتراجع عن الخروج من غرفة السونا للاستمرار ومواصلة التناحر في ما بينهم، وهو ما يرتبط بالطبيعة الواقعية لبناء الشخصيات التي تمتاز كلها (عدا شخصية ناصر) بالتمسك بمواقفها وقناعتها واصرارها على الانتصار لها في مواجهة الأفكار النقيضة التي تطرح، حيث يطرح العرض صراع الأفكار بوصفه صراع ذوات تسعى لتأكيد حضورها في العالم وليس بوصفهم حاملي أفكار؛ ولعل ذلك الميل لتأكيد الطبيعة الواقعية يظهر ليس فقط في بناء الحوار والشخصيات بل في تصميم المنظر المسرحي ومحاولة محاكاة غرفة السونا واقعيًا من خلال الديكور على مستوى التشكيل أو الطبيعة اللونية المستخدمة.

بالطبع فإن ذلك الميل الواقعي الذي يستهدف في مستوى ما تحويل الصراع الفكري الذي يدور بين الشخصيات إلى مجرد عرض جانبي لصراع ذوات هو جانب أساسي من رهانات العرض، وهو ما انعكس على الأداء التمثيلي بدرجات مختلفة، كما أنعكس على تصميم الإضاءة أيضًا بدرجات مختلفة؛ لكن ما يطرحه العرض يظل في الأساس تعبير عن التناقضات الأساسية التي تواجهها المجتمعات العربية في تلك اللحظة التاريخية المرتبكة، حيث تعرضت المنطقة لكثير من الهزات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية نتيجة للصراعات الكبرى التي تشهدها والتي هي في أساسها صراعات بين رؤى متناقضة ومتصارعة على المستقبل، لكن ما خلفته من فوضى وأزمات إنسانية دفع بالكثيرين إلى الارتداد والقلق من الأفكار الكبرى التي تتصارع، والتعامل معها بوصفها الخطر الحقيقي الذي يواجهنا وليس مسائلتها بوصفها أعراض للأزمة التاريخية التي تحياها المنطقة.

 ربما يكون عرض سونا في مستوى أخير هو تعبير عن ذلك القلق التاريخي الذي نعيشه، حيث تتجاور وتتصارع الرؤى الاقتصادية الرأسمالية التي يمثلها خطاب رجل الاعمال(سالم المنازع) مع أفكار عقائدية وسياسية تزداد تطرفًا وعمقًا يومًا بعد يوم، قلق تصادم معه العرض وحاول مراوغته عبر نفيه ككل من خلال صوت خارجي يحمل حكم بعبثية ذلك الصراع ككل، ويؤكد على أن الركون للهدوء والسكون ربما يكون هو الحل الأمثل في مواجهة مثل تلك الفوضى التي لا يمكن مواجهتها، لكن ذلك الخيار ربما يظل مجرد أمنية مثالية عالقة يبحث عن سكون غرفة السونا بوصفها لحظة هروب من العالم .

 

السبت، مارس 21، 2026

الإنتاج المسرحي المصري تلاشي المركزية وتعثر الاستقلال

 

سوف تنطلق تلك الشهادة – إن جاز تسميتها بذلك – من تأمل في المسارات الإنتاجية المالية والجمالية للمسرح المصري خلال ثلاثين عاما من متغيرات تابعتها وعاصرتها بوصفي فاعلا أو مستفيدا أو معارضا متضررا. في بعض الأحيان كانت العلاقة بين طبقات تلك المسارات متناغمة، وفي أحيانٍ أخرى كانت شديدة العنف، كما تعرضت تلك المسارات لانقطاعات درامية وانحرافات وتعريجات وتسارعات... إلخ، قبل أن نصل في النهاية للحظة شديدة الحدة والإرباك مع تفكك نظام عالمي كامل، وأزمات اقتصادية عنيفة ومتتالية داخليًا، وتخبط وجماليات هجينة وقلقة.... ثلاثون عاما من الحراك الدائم على المستويات السياسية والاقتصادية والفنية.

في البداية ربما وجب تأمل وضع النقاشات الجادة حول الإنتاج المسرحي التي تتقلص إلى مستوى سرديات الشكاوى والاتهامات والوساوس التآمرية والتجارب الذاتية، وذلك في مقابل التكتم وانعدام الشفافية اللذين يحيطان بالميزانيات وآليات توزيع المخصصات المالية والإنتاجية الخاصة بالجهاز التنفيذي للدولة؛ لتبقى تلك النقاشات تدور في الغالب حول المعلومات القليلة المتوفرة أو الخبرات المكتسبة – لدى البعض – بكيفية عمل الجهاز الإداري للدولة، والمسارات الرسمية، والأبواب الخلفية التي تسلكها عمليات الإنتاج. وفي العادة أيضًا ما تنتهي تلك المحادثات إلى أنين وأسى من تسلط القواعد والقوانين واللوائح والسلطات المطلقة التي يمتلكها المسؤول الإداري، وقليل من المطالبات ومقترحات تتنوع بين الحض على سياسات أكثر مركزية أو التشجيع على تفتيت تلك المركزية.

بالطبع يدرك الجميع السبب الأساسي لذلك الوضع المتأزم الناتج عن تكوين النظام السياسي والثقافي وانعدام الشفافية المالية؛ ليصبح الحل الوحيد الممكن هو تلك المبادرات المؤسسية والفردية التي تسعى لتقليل الضغوط قليلًا عبر عمليات إحلال الأجزاء المعطوبة والمعوقة في النظام الإنتاجي بممارسات أو قواعد جديدة سرعان ما تعطب بدورها، كونها لا تنطلق من تصور شامل لعملية هيكلة كاملة للنظام، وهو ما يجعلنا أمام وضع يتطور وفق تبدلات الاقتصاد والسياسة العامة، سواء التي يتم تطويرها داخليًا أو التي يتم فرضها من الخارج. ليصبح التتبع التاريخي الهابط من مستوى الاقتصاد السياسي هو الطريقة الأبسط والأكثر موثوقية.

العودة للماضي

سوف أعود لبداية التسعينيات حين كانت المتغيرات السياسية والاقتصادية تعصف بالعالم مع تفتت الكتلة الاشتراكية وسيادة تيار أيديولوجي متشدد من الليبرالية الغربية (النيوليبرالية)؛ والذي قُدم بوصفه الحل الأخير والنهائي للأزمات الناتجة عن زمن الرفاه الاجتماعية والأفكار الكينزية، كما قدم بوصفه التيار المنتصر سياسيًا وأيديولوجيًا على الاشتراكية وهيمنة الدولة على الاقتصاد، وأخيرًا قدم ذلك التيار بوصفه الطريق الأكثر موثوقية للحصول على الحريات الشخصية الكاملة، والسبيل المضمون للتخفف من الهيمنة التاريخية للسلطة، إن لم يكن مقاومة حضورها الطاغي عبر سياسات الحد الأدنى من التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي. وفي المقابل من ذلك كانت الدولة المصرية داخليًا تعاني من أزمات الديون الخارجية وتضخم القطاع الحكومي والعام، وكان الحل المعتمد سياسيًا هو الانسحاب التدريجي للدولة من الدعم (بمستوياته المختلفة) وتقليص جهاز الدولة الإداري وتفكيك القطاع العام، وهو ما يتماشى مع مطالبات الخارج لفتح الأسواق. لكن الدولة المصرية لم تتخارج من الهيمنة على الاقتصاد، ولم تسع لتخفيف سلطة الدولة وقمعها للحريات العامة والشخصية؛ لينتج وضع سياسي واقتصادي غاية في التعقيد لم يزل حاضرًا حتى كتابة ذلك المقال.

في ظلال تلك المتغيرات بدأت الآثار الجانبية لجمود الإنتاج الحكومي المسرحي في البروز والتجسد في صورة منتج مسرحي يستعيد بروتينية مميتة تقنيات وجماليات مكرورة، مما جعل من المألوف رؤية المسرح المصري يدور في فلك زمن انتهى؛ سواء على مستوى العلاقة بين المنتج الفني والدولة بوصفها منتجًا، أو على مستوى الأفكار والجماليات الفنية السائدة.

في ذلك الوقت من بداية التسعينيات، وفي ظل ذلك الوضع المزدوج، انطلقت روح جديدة في المسرح المصري؛ روح متفائلة ومثالية تسعى للحرية الفنية والانفتاح على عالم جديد لا يعدنا بالعدالة بل بالحريات العامة والشخصية. ومن هذا التفاؤل المبدئي بدأت مسيرة نقد مركزية السلطة الثقافية والسعي للاستقلال على كافة المستويات، بداية من أنماط الإنتاج وليس نهاية بالجماليات والأفكار والتوجهات الفنية. مسيرة بدأت في بداية التسعينيات بتفاؤل تاريخي، لكنها فقدت مع الوقت تلك الحيوية وذلك اليقين لتتحول مع الوقت إلى جسد فاقد الحياة، لكنه يتحرك بالقصور الذاتي.

في ظلال تلك التحولات الكبرى والخيارات التاريخية بدأت تجربتي الشخصية – بوصفي ناقدًا – داخل حراك الحركة المسرحية المصرية؛ تجربة عاصرت خلالها طبقات المتغيرات والصراعات والاختلافات والسياسات والجماليات التي لم تسر كلها في اتجاه واحد بقدر ما خلقت، مع تقدمها، العديد من المسارات المتنوعة الاتجاهات والمتقاطعة أحيانًا والمتصادمة في أحيان أخرى. تجربة لم يتأثر بها المنتج المسرحي وجمالياته والأفكار والثيمات وأساليب المعالجة الدرامية والبصرية وتقنياتها فحسب، بل امتدت إلى – ونتجت عن – السياسات الإنتاجية والمصادر المالية. حركة كاملة يمكنك أن ترى فيها الذوات الفردية - للمبدعين والإداريين والنقاد- وهي تتحرك وتتفاعل وتؤثر، كما يمكنك أن تجد فيها السلطة وهي تتقدم وتُمارس وتسحق المشاريع والأفراد لتعلن بقسوة أن الأفراد مجرد وجوه مستعارة لسلطة عابرة للتنوعات بلا وجه.

المسارات والطبقات

لسنوات طويلة كان السؤال الأكثر إلحاحا بالنسبة لي يتعلق بكيفية تشكل العرض المسرحي، سواء على مستوى الخطاب الخاص بالعرض أو عمليات التأويل الممكنة التي تتيح التفسير الطبيعي والبديهي وتقمع الغامض أو الملتبس أو غير المنتج للمعنى؛ حيث سعيت للإجابة عن ذلك السؤال عبر اعتماد أسلوب ومنهجية للتعامل مع العرض بوصفه تجسيدا للخطاب السائد وللتحديات والصراعات الاجتماعية والثقافية والسياسية المشتعلة، سواء على مستوى التقنيات التي يعتمدها أو كيفية بناء جمالياته وتعبيره عن الأيديولوجيا التي يتبناها.

بالنسبة لتلك المنهجية التي اعتمدتها في عملي فإن العرض المسرحي هو ممارسة جمالية واجتماعية تتخطى سلطة المخرج والممثل والسينوغراف المباشرة، نحو التعبير الجمالي عن واقع كامل؛ للحد الذي يصل في بعض الأحيان لخفوت تحليل العرض المسرحي نفسه لصالح ما كنت أعتقد أنه القوى الحقيقية التي يفترض أنها بلا حضور مباشر في العرض المسرحي (الواقع السياسي/الاقتصادي – الوضعيات الاجتماعية – الثقافة وحضور الذات والآخر) ....

كان ذلك الطموح غالبا ما يقود بشكل مباشر مجموعة من المسارات التحليلية التي تنطلق من تأمل العلاقة بين أنماط الإنتاج المسرحي والعرض المسرحي، مرورا بتحليل الإدارة الثقافية وآليات اتخاذ القرار وكيفيات بناء العرض وارتباطه بحجم التمويل ومصادره، وذلك من خلال التفكير في العرض المسرحي بوصفه نموذجا لعمليات الهيمنة الجرامشية وأدوات التحليل الحكمانية.

على مستوى تأمل العلاقة بين أنماط الإنتاج المسرحي والعرض المسرحي فإن ذلك قاد إلى تحليل عدد من المستويات، بداية من السياسات العامة التي انطلقت في بداية التسعينيات نحو تبني نموذجها الخاص من النيوليبرالية (التسلط الحكومي على الحريات والاقتصاد في مقابل الانسحاب من عمليات الدعم) عبر دعاوى التخلص من الدعم للممارسة المسرحية، والتي تلاقت مع انفتاح جزئي على دخول مؤسسات بديلة تستهدف التحرك في الفراغ الثقافي والهوامش غير المشمولة بالدعم، مثل المراكز الثقافية الأجنبية التي دخلت إلى المجال المسرحي وهي تحمل أجندة سياسية تستهدف بشكل محدد الحريات العامة والشخصية في مقابل الخطاب الوطني الإصلاحي السائد في الإنتاج الرسمي لمسرح الدولة. وبين هذين النمطين ولد نمط ثالث سوف يكون هو النموذج الإنتاجي الأكثر قبولًا والأقل حظًا، وهو التمويل الحكومي المشروط الذي وجد تحققه المباشر في تجربة نوادي المسرح التي وصلت في مرحلة من مراحل صعودها إلى إقران اسم الفرقة المسرحية مع اسم الجهة المنتجة (الهيئة العامة لقصور الثقافة) قبل أن يتراجع المشروع ككل للحدود الدنيا مع تطبيق قواعد رقابة المصنفات الفنية عليها. وقد أدى ذلك التنوع في الأنماط إلى تشكيل أنماط جمالية وخطابية دعمت مجموعة من المشاريع الفنية الكبرى (المسرح الشعبي – التيارات التجريبية والطليعية – تيار المسرح السائد التجاري الكوميدي/الموسيقي). بالطبع فإن كل تيار من تلك التيارات أوجد الجماليات الخاصة به والمميزة، سواء على مستوى النصوص أو النماذج الجمالية البصرية وأساليب الأداء، لكن من ناحية أخرى لم تخلق حدودا صارمة بين تلك التيارات، حيث تفاعلت فيما بينها وأنتجت تخوما ممتدة عبر تلك الأقاليم الجمالية المتجاورة. ولعل المثال الأبرز على ذلك هو المسرح الجامعي الذي تطور خلال العقدين الماضيين ليصبح أكثر تفاعلا وتجاوبا مع الشروط الرقابية من ناحية، واقترابًا من تقاليد المسارح التجارية معتمدًا على الدراما الغنائية والكوميديا والتعاطي مع الأنواع الأدبية الأكثر جماهيرية مثل السير الذاتية (النماذج الفردية الناجحة) أو الدراما البوليسية والنفسية والخيالية، والابتعاد عن المغامرات الطليعية والقضايا الاجتماعية بشكل متصاعد مع استفادته من جماليات المسرح الطليعي والتجريبي.

لقد أدى ذلك النموذج للانسحاب والتقشف الحكومي المقترن بتصاعد القمع السياسي إلى تخليق مستوى مزدوج من السيادة؛ حيث احتفظت الدولة بحقوق المراقبة والمنع والمعاقبة والاستثناء، بينما ساد على المستوى الجمالي سيادة الذوق العام للطبقة الوسطى المأزومة الباحثة عن نماذج للريادة الناجحة للذات الفردية مثل أم كلثوم، وتراجع للتجارب الجمالية المعارضة للهيمنة الثقافية والاقتصادية لقيمها السياسية والدينية. لم تتأكد مركزية جمالية خطابية تؤكد هيمنة الطبقة الوسطى، كما لم تولد نماذج جمالية وخطابية نقدية مستقلة من تلك الهيمنة.

على مستوى تحليل الإدارة الثقافية وآليات اتخاذ القرار، خاصة في مجال المسرح المدعوم حكوميا، فإن تحليل اللغة الإدارية يمكن أن يكشف لنا عن الميل المتصاعد نحو تبني لغة تنموية ودخول مصطلحات مثل الصناعة الثقافية والتمويل والتسويق إلى الخطاب الخاص بتلك المؤسسات، وهو ما يعيد ضبط العلاقات الفنية والإنتاجية ونوعيات العروض المسرحية، وبالتالي تحديد ما يمكن أن يكون ناجحا ومقبولا وما يعتبر فاشلا. ولعل تجارب مثل تجارب إسلام إمام وخالد جلال والأجيال التالية لهم في مسرح الدولة تحدد التوجهات العامة للإدارة الثقافية في عمليات الإنتاج في مقابل تجارب فنية أصبحت أقل حضورا وأقل قبولا. هذا ليس تقييمًا جماليا، بل تحديد للكيفيات التي يتم على أساسها تحديد ممارسات القمع والاستبعاد والتضمين، والتي تتضمن كذلك كيفيات بناء وعمل وتوجهات لجان القراءة والتحكيم والتسابق، وأساليب وتوجهات الثقافة والتدريب المسرحي، وهو ما يدفع نحو تحويل الفن إلى جزء من ماكينة الدعاية السياسية للتوجهات الليبرالية في الحد الأدنى، والتأكيد على الفرد المتميز والحنين للماضي اللذين يميزان التوجهات الفنية المقبولة من الطبقة الوسطى. وفي المقابل نجد المسارح المستقلة والتجارية... إلخ، تميل لتبني ذات النماذج، بحيث تُصاغ الأجساد والسلوكيات ضمن انضباطية شديدة التعقيد داخل المؤسسات التعليمية والتدريبية المسرحية لتصبح أكثر قابلية للدخول ضمن ذلك التصور للإدارة الثقافية. ولعل ذلك يكشف كيف أن الخطاب النقدي السائد يقوم بتحليل بناء العرض عبر ربطه بحجم التمويل ومصادره، وارتباطه بالبنية الأساسية المتمثلة في التجهيزات وحجم التمويل بوصفها قاعدة أساسية في تقييم جماليات العرض المسرحي.

أين وصلنا؟!

إن تلك الرحلة التي امتدت عبر ثلاثين عاما جعلتني أصل إلى قناعة أن وهم الاستقلال التام مجرد مُسكن طوباوي يستهدف ترسيخ السلطة المزدوجة لخطاب الطبقة المهيمنة "الطبقة الوسطى"، وهي تعاني من تراجع تاريخي متصاعد منذ السبعينيات حتى اليوم (مع مراحل استقرار مؤقت وانتصارات جزئية مثل ثورة 25 يناير).وفي المقابل تلك الهيمنة سيطرة أسلس لأجهزة الدولة على المحيط الخاص بالممارسة المسرحية حيث منحت قدرا من حرية الحركة في عمليات تشكيل العرض المسرحي ضمن مستويات وأنماط إنتاجية، بينما قامت بتقليم أظافر وقمع أنماط أخرى وتقييدها. ومن ناحية أخرى أتاح انسحاب الدولة من الدعم بروز الحريات الشخصية بوصفها بديلا للحريات العامة والقضايا الاجتماعية، وهو ما فتح الباب لنوعيات الإنتاج القائم على السير الذاتية والدراما البوليسية والخيالية. بالمجمل لم تتحقق المركزية التي تتيح مساحات للحركة للمؤسسات الخدمية والتنموية لإتاحة الفضاء الكافي للتجارب الجمالية المغايرة للسائد، ولم يتحقق الاستقلال الكامل من السيطرة الحكومية للتفاعل مع المتطلبات الاقتصادية وقواعد السوق الحر والعرض والطلب...

الثلاثاء، فبراير 25، 2025

في انتظار العائلة ... ثنائية البراءة والذنب

 

منذ الوهلة الأولى، يتجلى عرض في انتظار العائلة بوصفه دراما تعبيرية تدور في فلك العالم الداخلي لمحامٍ يسعى للموت في أجواء كابوسية، حيث تطالبه زوجته بإتمام موته، وتتنازعه مشاعر الذنب وأطياف الموتى الذين يطاردونه ويؤرقون ضميره، لكنه يفشل في إدراك الموت مرة تلو الأخرى حتى ينجح أخيرًا – أو هكذا يتخيل – عندما يعترف بجريمته المتمثلة في حرمان ربيبته من عائلتها التي ساهم بمرافعته في إدانتهم وإعدامهم، برغم يقينه ببراءتهم. وفي المقابل، توجد الفتاة التي ترفض تصديق كل ما ينزع الهالة المثالية عن العالم، حيث ترفض رؤيته المتشائمة كما ترفض تصديق الجميع – بما فيهم المحامي ذاته – الذين يؤكدون لها أنه ظالم، وأنه قد ظلمها.

إن الخطاب الذي يطرحه عرض في انتظار العائلة للمخرج سعيد الهرش وفرقة مسرح الفجيرة – قائم على مناقشة ثنائية الذنب والبراءة بوصفهما وجهين لحالة الانتظار التي تهيمن على دراما العرض وتسيطر على فضائه: انتظار الفتاة لمكالمة تصلها من العائلة الغائبة، وانتظار المحامي للموت الذي يرفض انتزاع روحه. انتظار يلقي بظلاله على العالم الدرامي للنص، فنجد الزوجة تنتظر موت زوجها المحامي، كما أن الأطياف تنتظر اعترافه بجريمته حتى تتمكن من العبور إلى عالم الموتى. إنه عالم ينتظر التحرر، لكن ما يُنتظر لا يتحقق، فلا البراءة المثالية يتم تجاوزها، ولا الذنب يتم التحلل منه.

بالطبع، فإن ذلك الخطاب المجرد يبدو عالقًا في فضاء العرض بلا أي تطور؛ فلا هو يحاول التقدم ليتحول إلى رؤية أكثر عمقًا لحالة الانتظار بوصفها تجمدًا للزمن وانعدامًا للفعل، ولا يتطور في سبيل تأمل المفارقة بين الذنب والبراءة بوصفهما حكمين أو موقعين يمكن التبديل بينهما. يظل نص العرض معلقًا في دائرة يحاول التملص منها عبر السرديات التي يتم تجسيدها بصريًا – كما في مشهد جريمة القتل المستعادة من ذاكرة المحامي – أو عبر المونولوجات الطويلة التي تناقش مشاعر الذنب واليأس التي تعتريه، ليظل العرض، وحتى نهايته، غارقًا في تقديم ثنائية غير متطورة.

هذه الثنائية التي يقوم عليها العرض تجد ما يدعمها بصريًا عبر الموتيفات المعلقة في فضاء المسرح، والتي تعكس رؤية الشخصية الأساسية للعالم، فكل شيء معلق وغير مستقر؛ فلا هو يتحرر ليسقط، ولا هو يطير مبتعدًا، بل يظل عالقًا في فضاء العرض، بداية من النافذة التي يمر عبرها الضوء، وليس نهاية بالأقنعة المعلقة. وعلى مستوى آخر، حاول العرض تأكيد هذه الثنائية من خلال المقابلة اللونية بين الأبيض والأسود، حيث يسود اللونان الأبيض والأسود في ملابس الشخصيتين الأساسيتين (المحامي/الفتاة)، كما ينعكسان على مستوى الإضاءة التي تعتمد على التقابل بين الضوء المحايد والظلمة، وهو ما يدعم تلك الثنائية برغم عدم توافقه مع التقاليد التعبيرية التي تميل إلى استخدام الإضاءات الملونة للتعبير عن الحالة النفسية للشخصيات.

بالطبع، هناك العديد من المواقع داخل العرض تخترق هذه الثنائية، مثل مغايرة الخيارات اللونية من خلال ملابس الزوجة الملونة أو ارتداء الأطياف للون الأحمر في مشهد الإعدام المتخيل، لكن هذه المغايرة لا تقوم بدور إثرائي لهذه الثنائية أو مناقضتها بقدر ما تعرقل تطور بناء المعنى في هذا الاتجاه، حيث تدفع المتلقي إلى طرح العديد من الأسئلة حول موقع الزوجة من هذا العالم المغلق الذي يحاصر المحامي والفتاة. ومع ذلك، فإن الخيارات اللونية تظل تدفع في سبيل التأكيد على الثنائية بين الأبيض والأسود أو الذنب والبراءة المختلطين في ملابس الشخصيتين، ولعل ذلك ما يمكن تطبيقه على أسلوب تصميم الإضاءة، الذي مال بشكل واضح إلى المقابلة بين الإضاءات الجانبية المتقاطعة في مقابل البؤر الضوئية التي تحاصر الشخصية الأساسية، حيث يتم التنويع فيما بينها بهدف تخليق جماليات بصرية تدعم حالة الحصار التي يعاني منها المحامي. وفي المقابل، تسود الإضاءة العامة في غالبية المشاهد التي تجمع بين المحامي والفتاة، مما يجعل تلك التنويعات غير مؤثرة في بناء المعنى، حيث تظل تؤكد، مرة تلو الأخرى، المعنى ذاته، لينحصر دورها في تخليق جماليات بصرية فحسب.

على مستوى الأداء، أظهر المخرج وفريق العمل انحيازًا لعمليات الأسلبة والآلية الأدائية، باستثناء شخصية المحامي التي بدت غارقة في انفعالاتها الداخلية. حاول المحامي/ زياد الحضرمي خلق انتقالات بين حالات شعورية مختلفة، برغم ضيق المساحات الممكنة للحركة بالنسبة لشخصيته التي تدور في فلك مغلق. أما على مستوى آخر، فقد بدا أداء الفتاة/ نور الهدى والزوجة/ شيماء سعيد ثابتًا وغير متطور نتيجة عدم وجود تنويعات شعورية للشخصيات الدرامية داخل نص العرض، إلا في أضيق الحدود.

بالمجمل، يظل السؤال الأساسي حول مصدر خطاب العرض وأفقه عالقًا بلا إجابة، إلا عبر عمليات تأويل مبالغ فيها، مثل محاولة رؤية ثنائية الذنب والبراءة بوصفها تجسيدًا لصراع بين قوى اجتماعية داخل النص، أو تصور الانتظار بوصفه تجسيدًا لوضعية فقدان المعنى والقيمة والهدف في الواقع العربي. لكن هذه التصورات تظل في النهاية مجرد تأويلات مفرطة أمام العرض وما يطرحه.

 

الأحد، مارس 10، 2024

المحاكاة الساخرة (الباروديا) ... ماكينة الهدم والتحطيم

يبدأ المشهد بفريقين لكرة القدم يقفان في مواجهة بعضهما البعض؛ الأحمر إلى يسار المتفرج، والأبيض إلى يمينه. ربما يبدو المشهد مألوفاً، ودلالاته واضحة؛ إنها مباراة لكرة القدم بين فريقي القمة، تتم محاكاتها فوق خشبة المسرح. لكن يبدو أن منتجي العرض لم يكتفوا بهذه المحاكاة الساخرة، التي تثير ابتسام المتفرج عند ملاحظته السمات الجسمانية المميزة للممثلين، والتي تسخر بشكل مباشر من ضعف اللياقة البدنية لدى لاعبي الفريقين...

لقد أضافوا عدداً من المتغيرات على الملابس والزمن، حيث يشير المشهد بوضوح إلى أن اللقاء الرياضي يُقام في زمن الجاهلية في صحراء جزيرة العرب. فاللاعبون يحملون أسماء ذات دلالات مزدوجة، فهي تشير مباشرةً إلى لاعبين بعينهم، بالإضافة إلى أسماء عربية عتيقة (ابن الحكم، أبو لهب... إلخ). ومن جانب آخر، يحيل العرض، من خلال الشريط الصوتي، إلى الأفلام المصرية الكلاسيكية التي تناولت عصر صدر الإسلام والسيرة النبوية، وذلك عبر نشيد: "نحن غرابا عك عك.. عك إليك عانية.. عبادك اليمانية". يحمل هذا النشيد إشارات واضحة إلى زمن عبادة الأوثان في مستوى أول، كما يستحضر الأداء التمثيلي، القائم على المبالغات الأدائية، الذي ميز الأفلام الدينية التي يحيل إليها النشيد في مستوى ثانٍ. وإلى جانب ذلك، سيستعيد المتفرج بالتأكيد السخرية من ذلك النشيد أو استخداماته الساخرة في مواقف أو مع أشخاص آخرين، في مستوى ثالث.

عند هذا الحد، سيبدو الأمر معقداً إلى حد كبير، لكن العرض يضيف شخصية درامية تحتل منتصف عمق خشبة المسرح، في المسافة الفاصلة بين الفريقين، وتواجه المتفرج وتتحدث إليه. إنه المعلق الذي يقدم المباراة، ويصف الفريقين بالكفار تماماً كما يصف جمهور ذلك اللقاء الكروي الغريب. وبالطبع، فإنه يستخدم الأساليب الأدائية والتراكيب اللغوية التي يلجأ إليها المعلقون الرياضيون، وبالتدريج تتصاعد الكوميديا مع الأسطر الحوارية التي يتبادلها الفريقان، والتي تستعيد اللغة المتشددة والنابية والأوصاف والنعوت المسيئة التي يتبادلها مشجعو فريقي الأهلي والزمالك على وسائط التواصل الاجتماعي الإلكترونية.

ربما يكون هذا الوصف لمشهد كوميدي بسيط التكوين نموذجاً مثالياً للمحاكاة الساخرة أو الباروديا (Parody)، فالمشهد يعتمد على محاكاة لفنون ومظاهر أدائية، مثل ممارسة كرة القدم، والتعليق الرياضي، والإلقاء المفخم والخطابي، والأوضاع الجسدية التي تحيل إلى مرجعيات جادة، إضافة إلى الشريط الصوتي، الذي بمجرد دمجه مع المشهد، يفقد موقعه والأدوار التي كان يقوم بها في زمن الجاهلية أو في الفيلم الديني... إلخ. وإلى جانب المحاكاة الساخرة لهذه الأدائيات الجسدية والصوتية، يقوم المشهد بعمليات محاكاة ساخرة على مستوى آخر، وهو مستوى التركيبات اللغوية، حيث يدمج لغة وتقاليد الشعر العربي القديم مع لغة وخطاب الأفلام الدينية، مع لغة وخطاب معلقي كرة القدم، وأخيراً لغة وتعبيرات مشجعي كرة القدم على مواقع التواصل الاجتماعي وفي المدرجات.

إن المشهد يمثل نموذجاً معقداً للمحاكاة الساخرة، ويستنفد تقريباً كل إمكانياتها، فهو يقوم بمحاكاة ساخرة لأساليب الأداء الجسدي والصوتي المميزة للسينما الكلاسيكية، والأدائيات المرتبطة بكرة القدم الحديثة، والتقاليد الكتابية والفنية للشعر العربي القديم. إنها سخرية تطال ما يحاكيه المشهد بقدر ما تطال المستهدف بالسخرية، وهو التعصب الكروي. إن المشهد لا يحمل خطاباً معقداً – على السطح على الأقل – فهو يستهدف السخرية من التعصب الكروي، وهو موضوع بسيط يمكن تقديمه بطرق أكثر سهولة، مثل أن يعتلي محاضر خشبة المسرح، ويقف في بؤرة ضوء، وينطلق في الحديث عن التداعيات السلبية للتعصب لفريق كرة قدم، ويقوم بمقارنته بالتعصب الديني أو العرقي... إلخ. لكن هذا المحاضر لن نستطيع وصفه بالممثل، وما سيقدمه لن نستطيع وصفه بالمسرح. وبالتأكيد، لن نضحك أو ننجح في إيجاد علاقات بين التعصب الديني والقبلي وبين تشجيع فريق لكرة القدم، بالوضوح والسهولة التي يتجلى بها الأمر في المشهد المسرحي. بالطبع، يمكن للمحاضر أن يحدثنا عن عمليات استغلال وتنمية مشاعر العداء والكراهية، وسيادة التعصب الكروي، لكننا لن نرى كيف يقوم المعلق، على سبيل المثال، بتنمية ذلك العداء عبر اللغة التحريضية، التي تبرزها المحاكاة الساخرة، وتكشف التناقضات التي تقوم عليها. وفي النهاية، من المؤكد أننا كنا سنشعر بقدر كبير من الملل والتشتت وفقدان التركيز عندما يطول زمن المحاضرة، بينما لن نتوقف عن الضحك لمدة خمس إلى سبع دقائق كاملة، هي زمن المشهد عند تقديمه على خشبة المسرح.

تلك هي مصادر قوة المحاكاة الساخرة وسبب حضورها الدائم في تاريخ المسرح، حيث يمكننا أن نجد آثارها منذ زمن كتاب المسرح الإغريقي، حين كان كاتب الكوميديا الإغريقي أريستوفانيس يحاكي أسلوب كاتب تراجيدي كبير مثل يوربيديس، ليسخر منه ومن التيار الفكري الذي يمثله، حتى ينتصر لأفكاره الرجعية والمحافظة. كذلك، نجد آثارها في المسرح الحديث عند ألفريد جاري في أوبو ملكاً، حيث أعاد إنتاج نص كلاسيكي لشكسبير (مكبث) في محاكاة ساخرة قاسية، تسخر من التصورات الأخلاقية للطبقة البرجوازية وخياراتها الجمالية... إلخ.

يمكننا أيضاً أن نجد المحاكاة الساخرة في بعض عروض فرقة مسرح مصر، حيث تم تقديم محاكاة ساخرة للمسلسلات العربية الحديثة، من خلال تفكيك الأداء المفتعل، والأوضاع الجسدية المتصلبة، والطابع الميلودرامي، عبر محاكاة ساخرة تكشف التناقضات، وتنزع بقسوة الحالة العاطفية القوية التي يغرق فيها المتفرج عند متابعة الأعمال الفنية الأصلية.

ما يجمع كل تلك الحالات المتناقضة في قيمتها الفنية وعصور إنتاجها، من أريستوفانيس وحتى مسرح مصر، هو التقنية التي تستخدمها المحاكاة الساخرة، والتي يمكن أن نجدها في المشهد الذي اخترناه كمثال من مسرحية كركيب دماغ لفريق نادي مسرح دمنهور، التي قُدمت هذا العام. إنها تقنية قائمة على إعادة إنتاج الأداء والصوت واللغة، بعد القيام بعملية إزاحة بسيطة وعميقة، تحافظ على حضور الأصل أمام المتلقي طوال الوقت، لكنها في الوقت ذاته تنتزع مصادر تأثيره الجمالي أو العاطفي، وتحذفها أو تحيدها، بما يسمح للمتدين أو المتعصب لفريق كرة قدم، بمشاهدة الخطاب الذي يمتلكه ويشكل حياته، وهو يُنقض ويُمزق على خشبة المسرح، بينما هو يضحك...

ربما يكون السؤال المتبقي لنا هنا هو محاولة اكتشاف سر ذلك الميل المتنامي بين فناني الكوميديا حالياً، في البرامج الكوميدية التلفزيونية أو المسرح أو حتى السينما، إلى اللجوء إلى المحاكاة الساخرة؟

ربما يصعب إيجاد إجابة موحدة لذلك السؤال الكبير والمعقد، والذي قد يحتاج إلى ما هو أكثر من مقال لتحليله وتفسيره، لكن، وبشكل عام، يمكننا التوقف أمام أحد أهم الأسباب، وهو مقاومة حالة النوستالجيا المتفشية حالياً، نتيجة سيادة الرؤى الرجعية، التي تبحث في الماضي عن إجابات وحلول لأزمات الحاضر...

 

السبت، سبتمبر 23، 2023

أما بعد .. أرواح تئن خلف قيود الجماليات السائدة

 

منذ عام وفي إطار مشاركتي ضمن لجنة اختيار العروض المصرية المشاركة في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي برزت أمامي ملاحظة بدت ساعتها مدهشة ومثيرة للفضول وهي أن هناك انجذاب متنامي بين المسرحيين الشباب نحو أنواع الخيال العلمي والفانتازيا وهو أمر يمكن تفهمه في إطار التعقيدات الرقابية المتصاعدة التي ما أن تظهر حتى تدفع بالفنون – بشكل عام- للانحسار ومفارقة الواقع والقضايا التي تشغله ليكون البديل هو الغرق في العوالم الاستعارة التي توفر أرض أمنه للمبدعين، لكن ما كان مدهشا بشكل أكبر هو أمكانية رصد خطاب مناهض للعرقية ضد السود وهو ما يعد أمرا حميدا في ذاته لكن تكراره والتأكيد عليه في أكثر من عرض جعل من الممكن بالنسبة لي رؤيته ليس بوصفه خطاب مضاد للمركزية العرقية ولكنه بوصفه نتيجة جانبية للانفتاح على الفنون السائدة جماهيريا وتأثيرها الكبير على الفنانين الشباب ، وبدأ ساعتها أن ذلك ما يبرر انغماس الكثير من العروض في الخطابات والأنواع الفنية السائدة عالميا ، بينما وعلى أرض الواقع فإن تلك العروض خاضعة لعمليات التلقين الجمالي والسياسي التي تقوم بها المينستريم ، لقد تجلت لي ساعتها تلك الملاحظة بوصفها دليل جديد على عدم قدرة المسرح المصري على تناول ما يشغل المجتمع المصري والجمهور المستهدف وانكفائه على مواد استهلاكية خفيفة تمتلك رهانات أمنه في علاقتها بالواقع والجمهور.

لكن وبعد عام ومع استمرار وتنامي تلك الأنواع الفنية فمن الممكن ملاحظة أنها صارت أكثر قدرة على الضغط على العروض وتقنيات الأداء التمثيلي التي أصبحت أكثر انغماسا في تقاليد الأداء الواقعي النفسي الذي لا يقطع تمدده وهيمنته سوى الانفجارات العاطفية القوية ذات الصبغة الميلودرامية. لكن وفي النهاية فإن ذلك التفسير الذي كنت أميل إليه لم يعد قادر تقديم معني سوى على المستوى التقني لكن وعلى مستوي أعمق قليلا لا يمكننا من رؤية ما يشتعل تحت السطح الذي يمكن وصمه بالخفة والانخطاف لتأثيرات المسلسلات والأفلام الأمريكية الممزوجة بالنماذج الجمالية السائدة والمنقولة التي تستنسخ ذاتها في العروض المسرحية. فخلف تلك السيادة للأنواع الجماهيرية والتقاليد الجمالية المجترة يمكن أن نجد ما يفسر تلك الظواهر الفنية السائدة.

يقوم عرض أما بعد للمخرج مينا نبيل والمؤلف أنس النيلي والذي قدم ضمن فعاليات مهرجان المسرح العربي (زكي طليمات) بالمعهد العالي للفنون المسرحي على بناء عالم بديل يمكن فيه للشخص الذهاب لمكان يسمي المكتبة والانتقال للمستقبل عبر خط التاريخ المراد الانتقال إليه والعودة قبل دقات ساعة ما وفق شروط محددة وإلا فإن من يقوم بتلك المغامرة يضيع في الزمن بين الحاضر والمستقبل ، بالطبع لا يوجد هنا ماضي ، بل لا وجود لإمكانية العودة للماضي وفق تلك الفرضية ففي ذلك العالم لا يوجد سوى حاضر ومستقبل قائم بالفعل (حاضر مؤجل) بينما لا وجود للماضي سوى في صورة حنين رومانسي خافت عبر صور للأب والأم والتي أختار العرض أن تكون صور تنتمي للنصف الأول من القرن العشرين ومنزل والد ليلي القابع خلف ستار يموهه ويضفي عليه حالة ضبابية، عالم بعيد لا وجود له ولا أمكانية لاسترداده، في فالمقابل فأن ذلك العالم الذي شكله العرض مقيد بحاضر أبدي تهيمن عليه قوانين قدرية لا يمكن الفكاك منها ولا يمكن الهروب من أسرها .. وكل شي في كتاب سحري موجود في مكتبة عالقة في فراغ مرتفع أعلى المسرح، بينما ذلك الحاضر مقيد بخيوط تشبه خيوط العنكبوت تعلو الديكور الواقعي الذي يبدو شديد الفقر بصريا ومزدحم، حاضر لا يملك سوى البقاء أسفل تلك الهيمنة للقدر المتلاعب والمتسلط  الذي يقود الشخصيات لمصائرها مهما حاولت الهروب منه....  ربما يبدو الأمر تجسيد للتصور الديني التقليدي حول الكتاب الذي يحمل تاريخ الشخص والذي يسطر معه بل ووفق رؤى متشددة ترى القدر مكتوب قبل وجود الإنسان أصلا، أنه أمر مثير للخيال بالطبع فعبر تاريخ طويل أمتلك الإنسان ذلك الوهم بإمكانية رؤية المستقبل عبر الكتب، فالكتب ليست مجرد ناقل للمعرفة فحسب، بل انفتاح على العالم وتجاوز للحاضر، لكن ذلك العالم الذي يصنعه أنس النيلي ومينا نبيل ليس عالم البحث عن المعرفة للفكاك من الحاضر صوب المستقبل الغامض والأفضل ، أنه عالم يمتلك شروطه الخاصة فيما يتعلق بتلك المعرفة وكيفيه أقامتنا لعلاقة معها في ظل قيادة لشخصية نسائية ترتدي الأسود وتكرر ذات الشروط بشكل مستمر ودون تغيير.... الكتاب ليس مجرد كتاب أنه بوابة مشروطة للمستقبل الذي هو جزء من ذلك الحاضر الأبدي، بوابة في موقع مفارق ومتعال تنفتح نحو الحاضر دائما، حتى لو كان أسمه المستقبل. بالطبع فإن العرض يأخذ تلك الشروط بقدر كبير من الجدية من خلال التأكيد على عدد الضائعين في الزمن بين الحاضر والمستقبل عبر صوت الراديو. لا يتم توضيح معني ذلك الضياع بشكل محدد لكنه يعني بشكل عام الموت، فعدم الخضوع للذهاب المستمر للحاضر / المستقبل يعني الموت أو الفناء أو التيه الأبدي.

تبدو الفرضية الأساسية هنا مرتبطة بنوع الواقع البديل وهو ما يمكن أن يصنف العرض ضمن حالة الانجذاب للأنواع الفنية السائدة والتي يمكن أن نجد أثارها في الرواية والمسلسلات والسينما، ذلك الانجذاب الذي خلق أباء له مثل الكاتب أحمد خالد توفيق قبل أكثر من عقدين، انجذاب لمفارقة الواقع والهروب منه صوب عوالم استعارية تحقق الانعتاق من ثقل ذلك الواقع وتعيد تجسيده ضمن استعارة اختزالية تحدده وتقلصه وتسعي للاندماج للخبرة الجمالية السائدة والخضوع لشروطها.

في مستوى أول يمكننا أن نري ذلك التوجه بوصفه تخل عن المشروع السياسي والجمالي الذي حمله المسرح المصري الجاد لعقود طويلة والذي كان يحمل رؤية حداثية لصالح انغماس في عولمة ثقافية تفرض شروطها الخاصة بالأنواع والجماليات السائدة. لكن ذلك ليس سوى سطح أيضا فخلف ذلك يمكننا أن نري تلك الرؤية التشاؤمية التي يحملها العرض والتي لا تري أمكانية الفكاك من الحاضر المتداع والذي يتجه نحو موت حتمي لا يمكن مواجهته سوي بالأسي الذاتي الذي تحمله كل الشخصيات، أسى على الإمكانات المهدرة عبر الحكاية الرومانسية التي يقدمها العرض والتي يمكن تلخيصها عبر رحلة ثلاث شخصيات تمتلك ميول فنية تحاول الفرار من المستقبل المرسوم لها (الموت/الوحدة/الارتباط بوظيفة) المستقبل الذي يمكن اختزاله ببساطة في الخضوع للحاضر وقوانين الواقع، لكن في النهاية فإن تلك الشخصيات لا تمتلك سوى الأسي وقدر من الرضا الذاتي عبر النجاح الفني مثل الخبر المنشور حول أول نحات أعمي بالنسبة لشخصية مراد أو الهروب من مستقبل الممرضة لشخصية ليلي أو الحب بالنسبة لشخصية على، لكن تلك النجاحات لا تكسر تلك القدرية التي تقود في النهاية نحو موت محتم لمراد بالسرطان.

أننا أما رؤية للواقع الذي نحياه، حيث ينغلق الأفق وإمكانية الفرار من الحاضر الذي يطغي بقوانينه على العالم ويحاصره، أنها رؤية لا تمتلك أفق مغاير للعالم أو رؤية سياسية أو حلول أخلاقية، فقط هو هروب مؤقت وتقبل مفعم بالأسي للحاضر الأبدي الذي نحياه.

بالطبع لا يملك العرض وصانعيه أمكانية مواجهة تلك الصورة المقبضة للعالم، وهو ما تجلي في اختيار النوع الفني والإغراق في العاطفية عبر تحويل ما يبدو هامشي مثل حكاية مراد الذي يواجه العمي والموت لحالة من التدفقات العاطفية التي يستغلها الممثلين في عرض حالات نفسية متطرفة كالبكاء والصراخ والكوميديا، تحويل يمكن أن نري أثره في تلك الرومانسية الحالمة التي تسيطر على العرض والتي تحول الموت (والذي يبدو وفق الأفق المبدئي للعرض جزء من قدر الحاضر الأبدي) لمنفذ لبكائية أسيه لا تمتلك أي أفق سوى الأسي الرومانسي.

أن ذلك المزيج الذي يتشكل في المسرح المصري والذي يمكن رصد أحد تجلياته عبر عرض(أما بعد) ربما يجعلنا نري حالة الانحطاط الجمالي والرهان على التواصل العاطفي مع الجمهور عبر الجماليات السائدة جزء من واقع سياسي واجتماعي يتشكل منذ سنوات طويلة، واقع لا يري أمكانية في الحلول الجماعية التي سقطت المرة تلو المرة ، كما لا يري أمكانية للخلاصات الفردية عبر الانغماس في الذات كما كان الحال في التسعينيات والألفية المبكرة، أنه واقع جديد لا يري سوى أفق مسدود وعالم دميم ولا يجد من منافذ في ذلك العالم سوى عبر الإغراق في أسي رومانسي تتجسد في الأداء المتشنج والميلودرامي في العرض الذي نجح في استنزاف التصفيق والضحكات أحيانا من الجمهور كما تجلي في الغناء والموسيقي الحية التي كان من الممكن أن تشكل جزء من رهانات العرض لولا تعمد أخفاء العازفين في الكواليس حتى لا يؤدي حضورهم في دائرة وعي المتفرج لتحطيم الإيهام الأسي الذي راهن العرض علي مشاركة الجمهور فيه .

أننا أمام مسرح مقيد بأفق محدود وضيق خاضع لرؤي مجترة وأنواع فنية معلبة لكن وخلف تلك القيود لم تزل هناك أرواح تئن وترغب في أن يتم رؤيتها حتى وهي تستسلم لشروط الواقع الذي لا تجد لها منه نجاة.

السبت، سبتمبر 09، 2023

أنتيجون لاتفيا ... أنتيجون مجتمع الصورة

ضمن فعاليات الدورة الثلاثون لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي قدمت المخرجة والمصممة والمؤدية  "بيروت رام" – من لاتفيا - عرض أنتيجون والعرض ينتمي لنوعية المونودراما حيث تقوم  المؤدية بالانتقال بين الشخصيات الأساسية لمسرحية أنتيجون سوفوكليس وذلك عبر تنويعات صوتية وتجسيد بصري للشخصية من خلال الوضعيات الجسدية المميزة لكل شخصية بالإضافة للتغيرات البسيطة في تشكيل رداء المؤدية، وفي مقابل ذلك فإن عرض "بيروت رام" لم يسعى لتقديم صوت الجوقة الجماعي بل توجه إلي تجسيد تلك الجوقة عبر شاشة عرض تشغل خلفية الفضاء المسرحي الفارغ  من خلال  مجموعة من مقاطع الفيديو التي تقدم تصور تشكيلي يتدرج من حالة التجريد في بداية العرض وتصل لتقديم مقاطع لوجوه وأيدي مجموعة الجوقة.

يطرح العرض الكثير من الإشكاليات التي تتعلق بكيفية التعامل مع الدراما الإغريقية في القرن الحالي وإعادة بناء عالمها بما يتوافق مع الوضعيات الحالية التي تهيمن عليها حالة ما بعد حداثية تحتل فيها الصورة موضع متقدم وأساسي في بناء ما يطلق عليه العالم والواقع والحقيقة، حيث يتحول حضور المجتمع بوصفه فاعل من وضعية شراكة الواقع مع الفرد لوضعية جديدة يشتبك فيها المجتمع والعالم والحقيقة مع عالم الصورة الذي تتآكل فيه مفاهيم الخصوصية الفردية والجماعية والواقع والحقيقية وذلك بشكل متزامن.

من هنا فإن عملية إزاحة الجوقة لعالم الصورة ربما كانت أهم ما يمكن التوقف أمامه في عرض أنتيجون لبيروت رام فالجوقة التي كانت تمثل الصوت الجماعي لم تزل تحتفظ في العرض بالوضع البيني التي كانت تمتلكه في دراما سوفوكليس فهي على مستوي أول جزء من العالم الدرامي وعلى مستوى ثاني منفصلة عنه وتمتلك القدرة على التعليق والنقد. أن تلك الوضعية الوسيطة حاول العرض المحافظة عليها عبر استثناء الجوقة من عملية انتزاع تمايز الشخصيات عبر تقديمها من خلال جسد أدائي واحد، ولكن العرض ومن ناحية ثانية قام بتحييدها عبر خياره المتمثل في تقديم الجوقة عبر مقاطع فيديو تنتزع الميزة الخاصة بالجوقة بوصفها صوت جماعي معلق ومشارك في العرض المسرحي ضمن تلك الوضعية الوسيطة بين موضع المؤدي وموضع الجمهور، أن الجوقة هنا هي مجموعة من الصور المنفصلة عن اللحظة المشتركة بين المؤدية التي تقدم لجمهور العرض دراما متعددة الشخصيات، وذلك الانفصال يجعل الجوقة غير مشاركة في بناء العرض وفق التصور الإغريقي أو حتى الحديث الذي يعتمد على حضورها بوصفها تجسيد للصوت الجماعي لمجتمع النص و/أو المجتمع الواقعي، ولكن وعلى مستوي أخر فإن تلك الهيمنة التي تمتلكها شاشة العرض إزاء الفضاء المسرحي وجسد المؤدية ربما تشير لذلك الحضور المهيمن لما يمكن أن نطلق عليه جوقة عصر الصورة وهو ما يدفع بأي تحليل لذلك العالم لمحاولة التفكير في تلك العلاقة التي تربط بين أنتيجون الإغريقية وأنتيجون المعاصرة.

أن معركة أنتيجون مع كريون كما قدمت في نص سوفوكليس هي ليست معركة أخلاقية بقدر ما هي معركة بين السلطة الوضعية التي يمثلها كريون والناموس الكوني الذي تسعي أنتيجون لتحقيقه عبر إقامة الطقوس الدينية على جسد الأخ الملقي في العراء دون طقوس العبور والدفن التي تساهم في عملية انتقاله للعالم الأخر، ربما يبدو ذلك الصراع غير ذا صله مباشرة بعالمنا اليوم  إلا إذا ما فكرنا في الصراع بين سلطة الدولة القومية الحديثة العلمانية والسلطة الدينية الكونية التي لم تزل أكبر وأشرس خصوم تلك السلطة، لكن وبالعودة للعرض فإن العرض يضع ثقله في عمليات الإدانة الأخلاقية والسياسية لكريون بوصفه ممثل السلطة ويميل للتعاطف (في أتباع لرؤية سوفوكليس) مع أنتيجون التي لم تفعل شيء سوى وضع حفنة رمل فوق جسد الأخر ليصبح العقاب النهائي هنا متمثل في الكارثة التي تلحق بكريون بموت أبنه وأبنة أخته (أنتيجون) نتيجة إصراره على تطبيق قانون الدولة الذي ينزع كافة حقوق المتمرد والخائن.

أن ذلك الخيار للعرض ربما يرتبط هنا بعملية التأويل الحديث لأنتيجون بوصفها صراع بين سلطة الدولة القومية الحديثة والقيم الأخلاقية والإنسانية والفردية ... الخ وهو ما سبق تقديمه أكثر من مرة من خلال أنتيجون جان أنوي وبريشت وربما الكثير غيرهم وذلك من مواقف متباينة من تلك القضية، حيث يبدو العرض في سعيه ذلك متسقا مع الرؤية المناهضة للسلطة التي تمثلها الدولة الحديثة بوصفها تضافر بين سلطة الحاكم والمجتمع لصالح ما هو أنساني وهو ما يجد تمثيله الأكثر قوة في شكل المونودراما الذي يحل فيه الفرد موقع المركز في مقابل الجماعة .

أن ذلك التصور يسق مع العرض المنتمي لتصنيف  مسرح المهرجانات – بحسب بافيس – والذي يتوجه إلى جمهور دولي من الخبراء والذي يسعى إلى تكييف نفسه مع الموضات والتوقعات في ذلك الجمهور الدولي ، لكن المسافة الفاصلة بين أنتاج العرض الأول في بداية العقد الأول من القرن الحالي وزمن عرضه الذي تبدو فيه تقنياته غير قادرة على التعبير عن اللحظة الراهنة التي يقف فيها العالم أمام أسئلة جديدة ووضعية مخالفة مع عودة صعود الدولة القومية في مقابل العولمة الاقتصادية والثقافية تجعله غير قادر على تحقيق تلك المتطلبات التقليدية لمسرح المهرجان بكل التي أصبحت فيها المونودراما غير قادرة على التعبير عن ذلك الواقع وتحدياته ومتطلباته والتي لم يعد من الممكن للعرض أن يتلاقى فيها مع تلك الجماليات التي يطرحها إلا عبر العلاقة بين شاشة العرض التي تحتل موقع مركزي.

الثلاثاء، سبتمبر 05، 2023

الإلياذة في ساعة ونصف

 هل يمكن لعرض مسرحي تقديم الإلياذة بأكملها؟! ربما يبدو ذلك السؤال غير ذا قيمة هنا ونحن نتناول عرض يشير منذ البداية (وعبر عنوانه) إلي أنه يقدم للمتفرج إلياذة هوميروس كاملة ... لكن لنعد خطوة للخلف ولنحاول التعرف من جديد على العالم الذي يقدمه لنا العرض، الإلياذة وببساطة ملحمة شعرية تتناول وقائع الحرب بين طروادة والآخيين القادمين عبر البحر لاستعادة هيلينا التي اختطفت بواسطة باريس الأمير الطروادي من زوجها، وبالإضافة لذلك فإنها تعد مركز تجميع وبناء تتشكل حوله للأساطير اليونانية التي تمتد لأجيال سابقة على وقائع تلك الحرب كما تمتد لعقود تالية لنهايتها حيث تشغل حرب طروادة في الأساطير الإغريقية موقع مركزي فلا يمكن فصلها ببساطة عن تلك السردية الإغريقية الكونية، كذلك فإن الإلياذة تجسد لحظة تداخل درامي بين عالم آلهة الأولمب وعالم البشر حيث ينقسم الآلهة بين مؤيدين للطرواديين ومؤيدين للآخيين بل ويشاركون في المعارك بشكل مباشر، وأخيرا يمكن لنا أن نشير إلى أن وقائع الإلياذة لا تسجل  فقط سلسلة المعارك التي دارت بين المتحاربين؛ بل أنها تشكل جزء من المرجعيات الثقافية الأساسية للهوية الأوروبية ... أنها ليست مجرد حكاية عن حرب صغيرة، أنها جزء من سردية ثقافة كاملة حول هويتها ورؤيتها للعالم فبعض خيوطها الحكائية وشخصياتها كانت ولم تزل تشكل مصدر أساسي من مصادر السرد والدراما في أوروبا بشكل عام. وفي مقابل كل ذلك فإنها قادرة على ملامسة مواقع أكثر عمقا في الطبيعة البشرية مثل الغضب والحزن والشجاعة ... الخ وهو ما يهبها قيمتها في التراث الثقافي الإنساني بصورته الأكثر أتساعا .... فهل يمكن بعد كل ذلك نتخيل كيف يمكن تقديم كل ذلك بعرض مسرحي؟!

أن ذلك السؤال ربما يمكن أن يمثل مدخلنا للتعامل مع عرض "إلياذة هوميروس" لفرقة ميكروس فوراس اليونانية والمخرج (تاسوس راتزوس) والذي قدم على خشبة المسرح القومي بالعتبة ، ذلك أن التقنيات الدرامية والمسرحية التي أعتمدها سوف تصبح بالتأكيد محور أساسي في مسألة العرض ومحاولة التفكير فيه ، خصوصا مع المسافة الثقافية الفارقة بين الثقافة واللغة اليونانية التي يستند إليها العرض بشكل أساسي والثقافة واللغة العربية التي يمتلكها المتفرج ... ليصبح السؤال هنا هل أستطاع العرض تخطي كافة تلك الحواجز الثقافية واللغوية والتحديات المتعلقة بكيفية التعامل مع مادة شديدة الاتساع والتنوع عبر تلك التقنيات التي أعتمدها في علاقته مع جمهور مغاير لجمهوره المستهدف.

لا يمكن بالطبع أنكار ذلك المجهود الواضح للمخرج ومجموعة المؤديين في تشكيل – وإعادة تشكيل - مساحة أداء محدودة بشكل ديناميكي ومستمر، حيث يقوم المؤدين بالتنقل بين العديد من الشخصيات والأحداث التي تتصاعد ببطء شديد بداية من غضب أخيل وانسحابه اعتراضا على استيلاء أجاممنون على فتاة يمتلكها ، مرورا بمعارك الكر والفر بين الطرواديين والآخيين وبالطبع الأدوار التي قامت بها الالهة اليونانية في دعم طرفي الصراع قبلما ينتهي العرض باستعادة بريام لجسد أبنه هكتور من قاتله آخيل وذلك في تتبع لفصول الإلياذة بقدر كبير من الإخلاص الذي يتشكل عبر الحكي والأداء والسخرية والغناء والرقص والقتال ...

يتشكل المخرج ذلك الفضاء المحدود والمجرد عبر حركة جسد المؤدي ومجموعة من العصي التي يتم استخدامها بشكل مستمر في بناء وتحديد (وإعادة بناء) الفضاء المسرحي، قد تكون تلك التقنية مألوفة وغير مبتكرة لكنها تكتسب قيمتها هنا من قدرتها على طرح بدائل بسيطة وسهلة الاستخدام لتقديم عالم حكائي ممتد ومترامي الأطراف في إطار من المسرحة التي يدعمها العرض عبر الحديث المباشر للجمهور وعبر الإنارة المباشرة والمحايدة والمكشوفة المصادر لفضاء الأداء وهو ما يكشف لنا عن  طبيعة خيارات العرض القائمة على خلق علاقة مباشرة وآنية مع متلقيه عبر خيارات المسرحة والحكي التي ينتهجها.

ربما تحيل تلك التقنيات للطبيعة المفترضة لجمهور عرض (إلياذة هوميروس) حيث تقدم هنا حكاية ملحمية تفترض في المتلقي الإلمام بخيوطها العامة في إطار حميمي مجرد من كافة عناصر التأثير الإيهامى وذلك عبر الحضور الواضح لعناصر المسرحة وهو ما يمكن توضيحه من خلال الملابس البسيطة والمحايدة غير المهتمة تجسيد المرحلة الهيلينية، وبالتالي فالعرض يراهن بشكل أساسي على خلق مسافة مزدوجة بينه وبين هوميروس ، وذلك عبر إيجاد علاقة مباشرة بين العرض وجمهوره عبر السرد والغناء، واستغلال الروابط الثقافية التي تربط بين ذلك الجمهور وموضوع العرض ، وهو ما يمثل أول وأهم عائق يواجه العرض عندما يلتقي بجمهور مغاير .

قد يبدو الأمر بالنسبة للمتفرج - غير المنتمي لثقافة أو لغة العرض حتى مع توافر الترجمة الإنجليزية- غريبا إلى حد ما على حيث بيدو من الضروري امتلاك المتلقي لعلاقة مع الملحمة الإغريقية ودراية بشبكة العلاقات المعقدة التي تتجاوز الملحمة ذاته حتى يمتلك القدرة على بناء معني للصورة المسرحية المتطورة والسريعة التحول... كما يجب عليه مقاومة حاجز اللغة والتواصل مع العرض من خلال الإيقاع البصري السريع والقوي للعرض.

ربما يؤدي ذلك كله بشكل مباشر في بعض الأحيان إلى فقدان العلاقة مع العرض القادم من ثقافة مغايرة وتراث مغاير محملا بالإضافة إلي ذلك لرهان القدرة إعادة بناء علاقة المتلقي مع الملحمة وعالمها في إطار أكثر حداثة وبساطة تنزع عنها الهالة الأسطورية ويقوم بإعادة تقديمها في صورة مرحة تهبها قدر من الحيوية.

في النهاية ربما يكون صناع (إلياذة هوميروس) قد نجح في تقديم عرض حيوي وسريع الإيقاع للإلياذة التي تبدو للوهلة الأولي عصية على الإلمام بها في حدود درامية تقليدية، لكنه ومن جانب أخر لم يستطع تجاوز علاقاته المباشرة بجمهوره المستهدف إلي جمهور أوسع ومغاير عبر الصورة المسرحية التي بذل في تشكيلها الكثير من الجهد ، حيث ظل في النهاية مقيدا في حدود قدرة المتفرج على الاتصال به بشكل أساسي.

 

سونا بين الصراع والدعوة للسكون

  في إطار فعاليات الدورة الخامسة والثلاثين من أيام الشارقة المسرحية قدمت مسرح دبي الأهلي عرض "سونا" من تأليف طلال محمود وإخراج مرو...