الأحد، مارس 10، 2024

المحاكاة الساخرة (الباروديا) .... ماكينة الهدم والتحطيم


يبدأ المشهد بفريقين لكرة القدم يقفان في مواجهة بعضهما البعض ... الأحمر إلي يسار المتفرج والأبيض إلي يمينه، ربما يبدو المشهد مألوفاً ودلالاته واضحه ، أنها مباره لكرة القدم بين فريقي القمة تتم محاكاتها فوق خشبة المسرح ، لكن يبدو أن منتجي العرض لم يكتفوا بتلك المحاكاة الساخرة التي تجعل المتفرج يبتسم عند رؤيته للسمات الجسمانية المميزة للممثلين والتي تسخر بشكل مباشر من ضعف اللياقة البدنية لدي لأعبي الفريقين ... لقد أضافوا عدد من المتغيرات على الملابس والزمن حيث يشير المشهد بشكل واضح إلى أن اللقاء الرياضي يتم في زمن الجاهلية في صحراء جزيرة العرب ، فاللاعبين يحملون أسماء تحمل ازدواجية فهي تشير بشكل مباشر للاعبين بعينهم بالإضافة لأسماء عربية عتيقة (بن الحكم ..أبو لهب ..الخ) ، ومن جانب أخر فإن العرض يحيل عن طريق الشريط الصوتي إلي الأفلام المصرية الكلاسيكية التي تناولت عصر صدر الإسلام والسيرة النبوية من خلال نشيد (نحن غرابا عك عك.. عك إليك عانية .. عبادك اليمانية) بكل ما يحمل النشيد من أشارات واضحة لزمن عبادة الأوثان في مستوى أول والأداء التمثيلي القائم على المبالغات الأدائية الذي ميز الأفلام الدينية التي يحيل أليها النشيد في مستوى ثان، وإلي جوار ذلك بالتأكيد سوف يستعيد المتفرج السخرية من ذلك النشيد أو استخداماته للسخرية من مواقف أو أشخاص ... الخ في مستوى ثالث.
عند هذا الحد سوف يبدو الأمر معقد إلي حد كبير لكن العرض يضيف شخصية درامية تحتل منتصف عمق خشبة المسرح في المسافة الفاصلة بين الفريقين وتواجه المتفرج وتتحدث إليه، أنه المعلق الذي يقدم المباراة ويصف الفريقين بالكفار تماما كما يصف جمهور ذلك اللقاء الكروي الغريب ، وبالطبع فإنه يستخدم الأساليب الأدائية والتراكيب اللغوية التي يلجأ إليها المعلقين ، وبالتدريج تتصاعد الكوميديا مع الأسطر الحوارية التي يتبادلها الفريقين والتي تستعيد اللغة المتشددة والنابية والأوصاف والنعوت المسيئة التي يتبادلها مشجعي فريقي الأهلي والزمالك على وسائط التواصل الاجتماعي الالكترونية ...
ربما يكون ذلك الوصف لمشهد كوميدي بسيط التكوين هو نموذج مثالي للمحاكاة الساخرة أو (الباروديا /Parody) فالمشهد يعتمد على محاكاة لفنون ومظاهر أدائية (ممارسة كرة القدم – التعليق الرياضي-الإلقاء المفخم والخطابي، الأوضاع الجسدية التي تحيل لمرجعيات جادة، الشريط الصوتي الذي بمجرد دمجه مع المشهد يفقد موقعه والأدوار التي كان يقوم بها في زمن الجاهلية أو في الفيلم الديني ... الخ). وإلى جانب تلك المحاكاة الساخرة من تلك الأدائيات الجسدية والصوتية فإن المشهد يقوم بعمليات محاكاة ساخرة على مستوي أخر وهو مستوي التركيبات اللغوية ودمج لغة والتقاليد الفنية للشعر العربي القديم، مع لغة وخطاب الأفلام الدينية، مع لغة وخطاب معلقي كرة القدم، واخيراً لغة وتعبيرات مشجعي كرة القدم على مواقع التواصل وفي المدرجات.
أن المشهد يمثل نموذج معقد للمحاكاة الساخرة ويستنفذ مجال عملها تقريباً فهو يقوم بمحاكاة ساخرة لأساليب الأداء الجسدي والصوتي المميزة للسينما الكلاسيكية والأدائيات المرتبطة بكرة القدم الحديثة والتقاليد الكتابية والفنية للشعر العربي القديم ... سخرية تطال ما يحاكيه المشهد بقدر ما تطال المستهدف بالسخرية وهو التعصب الكروي. أن المشهد لا يحمل خطاب معقد –في السطح على الأقل-فهو يستهدف السخرية من التعصب الكروي ... موضوع بسيط ويمكن أن يقدم بطرق أكثر سهولة بكثير مثل أن يعتلي محاضر خشبة المسرح ويقف بداخل بؤرة ضوء وينطلق في الحديث عن التداعيات السلبية للتعصب لفريق كرة قدم ويقوم بمقارنته بالتعصب الديني أو العرقي ... الخ لكن هذا المحاضر لن نستطيع وصفه بالممثل ... وما سوف يقدمه لنا لن نستطيع وصفه بالمسرح. وبالتأكيد فإننا لن نضحك أو ننجح في إيجاد علاقات بين التعصب الديني والقبلي وبين تشجيع فريق لكرة القدم بذات السهولة التي يتجلى بها لنا الأمر في المشهد المسرحي ... بالطبع يمكن للمحاضر أن يحدثنا عن عمليات استغلال وتنمية مشاعر العداء والكراهية وسيادة التعصب الكروي ... لكننا لن نرى كيف يقوم المعلق (على سبيل المثال) بتنمية ذلك العداء عبر اللغة التحريضية التي تقوم المحاكاة الساخرة بإبرازها وكشف التناقضات التي تقوم عليها والتي تستخدمها. وفي النهاية فمن المؤكد أننا كنا سوف نشعر بقدر كبير من الممل والتشتت وفقدان التركيز عندما يتمدد زمن المحاضرة بينما لن نتوقف عن الضحك لمدة خمس أو سبع دقائق كاملة هي زمن المشهد عند تقديمه على خشبة المسرح.
تلك هي مصادر قوة المحاكاة الساخرة وسبب حضورها الدائم في تاريخ المسرح ، حيث يمكننا أن نجد أثارها منذ زمن كتاب المسرح الإغريقي حين يقوم كاتب الكوميديا الإغريقي أرسطوفانيس بمحاكاة أسلوب كاتب تراجيدي كبير مثل يوريبيدس للسخرية منه ومن التيار الفكري الذي يمثله حتى ينتصر لأفكاره الرجعية والمحافظة.
كذلك يمكن أن نجد أثارها في المسرح الحديث عند ألفريد جاري في "أوبو ملكاً" وهو يعيد أنتاج نص كلاسيكي لشكسبير (ماكبث) في محاكاة ساخرة قاسية في سخريتها من التصورات الأخلاقية للطبقة البرجوازية وخيارتها الجمالية ... الخ.
يمكننا أن نجد المحاكاة الساخرة في بعض عروض فرقة مسرح مصر التي تم فيها تقديم محاكاة ساخرة للمسلسلات العربية الحديثة بحيث يتم تمزيق الأداء المفتعل والأوضاع الجسدية المتصلبة والصبغة الميلودرامية للمسلسلات عبر تلك المحاكاة الساخرة التي تقوم على تأكيد وتضخيم التناقضات، كما تنزع بقسوة الحالة العاطفية القوية التي يغرق فيها المتفرج عند متابعة الأعمال الفنية الأصلية.
أن ما يجمع كل تلك الحالات المتناقضة في قيمتها الفنية - وعصور انتاجها-  من أرسطوفانيس وحتى مسرح مصر هو التكنيك الذي تستخدمه المحاكاة الساخرة والذي يمكن أن نجده في ذلك المشهد الذي أخترناه كمثال من مسرحية كركيب دماغ لفريق نادي مسرح دمنهور والذي قدم هذا العام ، تكنيك قائم على أعادة أنتاج الأداء والصوت واللغة بعد القيام بعملية أزاحه بسيطة وعميقة تحافظ على حضور الأصل طوال الوقت ماثلاً أمام نظر المتلقي ، لكنها في نفس الوقت تنتزع مصادر تأثيره الجمالي أو العاطفي على المتلقي وتقوم بحذفها أو تحيدها بما يسمح للمتدين أو المتعصب لفريق كرة قدم بمشاهدة الخطاب الذي يمتلكه ويشكل حياته وهو يتم نقضه وتمزيقه على خشبة المسرح بينما هو يضحك ...
ربما يكون السؤال المتبقي لنا هنا هو محاولة اكتشاف سر ذلك الميل المتنامي بين فناني الكوميديا حاليا في البرامج الكوميدية التلفزيونية أو في المسرح أو في حتى في السينما إلى اللجوء إلى المحاكاة الساخرة؟
ربما يصعب أيجاد أجابه موحدة لذلك السؤال الكبير والمعقد والذي ربما يحتاج إلى ما هو أكثر من مقال لتفسيره وتحليله، لكن وبشكل عام يمكننا أن نتوقف أمام أهمها وهو مقاومة حالة النوستالجيا المتفشية حالياً نتيجة سيادة الرؤى الرجعية التي تبحث في الماضي عن إجابات وحلول لأزمات الحاضر ... حيث تمثل حالة السخرية من الأداء الكلاسيكي بالأفلام المصرية في الأربعينيات والخمسينيات وحتى التسعينيات مورد أساسي للمحاكاة الساخرة حيث يتم تحطيم أسطورة الماضي المثالي عبر تحويله إلى موضوع للضحك وبالتالي الشفاء من الحنين العاطفي للماضي وهو ما يمكن تطبيقه على الاستعادة الساخرة لأغاني مشهورة عبر تبديل كلمات الأغنية ..
لكن هل هذا الهدف التقدمي يمكن تحويله لقاعدة؟ بالطبع لأن هناك أهداف أخرى مثل الاستفادة من شهرة العمل الأصلي للترويج للعمل المحاكي أو محاولة الالتفاف على الرقابة، أو حتى الهروب من مواجهة قضايا الواقع عبر الغرق في السخرية من الماضي، أو تحويل السخرية إلى ماكينة عدمية قادرة على التهام كل شيء واي شيء .

ليست هناك تعليقات:

المحاكاة الساخرة (الباروديا) .... ماكينة الهدم والتحطيم

يبدأ المشهد بفريقين لكرة القدم يقفان في مواجهة بعضهما البعض ... الأحمر إلي يسار المتفرج والأبيض إلي يمينه، ربما يبدو المشهد مألوفاً ودلال...