الخميس، يونيو 21، 2012

البحث عن مخرج .. عالم متغير ونصوص ثابتة - (1) محاولة للبحث عن طريق للخروج من أزمة المسرح في التعبير عن الواقع




في الأزمنة المضطربة و الضبابية مثل تلك الفترة التي تمر بها مصر الآن، يبدو من الصعب على المخرج المسرحي تحديد نقطة ثابتة لنفسه يستطيع أن ينطلق منها لرؤية العالم والإلمام بعلاقات أطرافه المتنازعة وموقع كل منها ، فما بالك بتكوين تصور متماسك لذلك العالم وتحويله لرؤية فنية متكاملة ، ذلك أن الأطراف السياسية والاجتماعية التي تتنازع حول شكل وهوية المستقبل "الآن" في مصر غير قادرة على إيجاد موقع يتسم بالثبات و اليقين يمكنها أن تتمركز فيه وتنطلق منه بقدر من الثقة في مشروعية موقعها أو ثبات نقاط الانطلاق ونقاط الوصول ، فالواقع أصبح شديد السيولة – بل واللزوجة -  لا تستطيع أحد مواجهتها دون أن يصاب بالحيرة والشك في أن يتمكن من أن يحاكم أو يرصد الواقع دون تورط ... لا يستطيع المخرج مواجهة الواقع دون أن يكتشف فشل معاييره أمام حالة الهوس والفوضى التي تهيمن على الواقع والتي يصعب معها الانحياز بشكل مطمئن لطرف دون أخر ..
كيف إذن يمكن لمخرج مسرحي أن يتحرك في مثل تلك الفوضى العارمة لإنتاج عرض مسرحي متماسك و قادر على تقديم رؤية متماسكة للعالم سواء على المستوي الفكري أو الجمالي ؟
للإجابة على هذا السؤال ربما كان من الطبيعي أن نحاول تحديد مهام المخرج وطبيعة دوره لنتمكن من تحديد مدي إمكانيته العمل في ظل ظروف سياسية واجتماعية مثل تلك التي نحيا في ظلها.
ولعل البداية يمكن أن تكون من تلك المعطيات الأولية السابقة على أي إبداع والتي يعيها كل المخرج حتى وإن لم يفكر فيها بشكل واعي..
وأول تلك المعطيات هو الاعتراف بأن عمل الفني لا ينتمي إلي المخرج بشكل كامل، فالمخرج قائد لمجموعة كبيرة ومتنوعة من الأفراد متنوعي التوجهات والخلفيات الثقافية والتعليمية.. يتعامل كل منهم مع طرحه وفق أفكاره عن العالم من ناحية ، ووفق قواعد العمل المسرحي من ناحية أخري ، ليصل في النهاية تصور خاص به لما يطرحه العمل الفني ودوره فيه.
وبالتالي فإن أول مهام المخرج هي دوره كمنظم لمجموعة من الأفراد ليتحولوا لفريق عمل ، وكذلك تهذيب أي نتوء فكري أو جمالي يخرج عن سياق الأفكار العامة التي يطرحها العرض نتيجة الفهم الخاطئ – أو عدم انسجام أو نقص موهبة  -  لأي فرد من أفراد الفريق .  وأي تهاون أو عدم انتباه - لأي خلل وبأي عنصر- يمكن أن يؤدي لنتائج غير متوقعة .. فحركة لاإرادية من ممثل أو نبرة صوت مرتعشة من ممثلة أو جملة حوار غير منسجمة مع أفكار العرض من المؤلف.. الخ يمكن أن تقود العمل إلي مناطق مظلمة وتنتج أفكار لم تخطر ببال المخرج وتؤدي لتشوهات جمالية بالضرورة .
ثاني تلك المعطيات والتي لا يمكن للمخرج أن يفلت منها هي طبيعة العمل المسرحي كلقاء (هنا والآن) مع متلقي مشارك في عمليات أنتاج المعني ، وأن المعني في العرض المسرحي - مهما كان منتظماً وشديد الدقة على مستوي التنفيذ – غير ثابت أو نهائي وأنه في حال تطور دائم حتى ولو بشكل غير ملحوظ .
وهو ما يعني أن المخرج يجب أن يضع المتلقي في حسبانه ويفكر فيه بشكل دائم فبدون تحديد لمهام المتفرج و موقعه من العرض ... لن يتمكن المخرج من أن يتواصل مع المتفرجين.. وبالتالي فإن اختيار النص المسرحي ليس مجرد اختيار لفكرة أو موضوع أو حكاية درامية أو حتى شكل فني.. بل أنه وقبل كل ذلك اختيار للمتفرج وتحديد لهويته ودوره والرسائل المتبادلة معه..
ثالث تلك المعطيات مجموعة من النصائح التي رصدها النقاد والفنانين من أصحاب الخبرة الطويلة من خلال عملهم - وفق المعطي الأول والثاني- وأول تلك النصائح هي لا تتحدث إلا عما تعرف... والمعرفة هنا ليست قدر من المعلومات حول مهنة أو حدث أو موقف فحسب.. فالجميع يمكن أن يمتلك المعلومات الكافية حول حياة السجن سواء بالاحتجاز داخله، أو جمع المعلومات عن نظمه وشهادات لمن سجنوا.. لكن امتلاك تجربة السجن أمر مرتبط بالقدرة على تنظيم تلك المعلومات و البيانات والإرشادات و القواعد التنظيمية و المشاعر... الخ داخل تصور واضح ومعرفة حقيقية بالسجن كتجربة أبداعية وليس كمبني للعقاب الجنائي والتقويم الاجتماعي.. وبالتالي فإن معرفتك لما تقدم يعني قدرتك على نقل ما تعرف للمتلقي فريق العمل.
ثاني تلك النصائح هي أن الفن يرصد و يحلل تجارب المجتمع وخبراته وأفكاره.. وأنه ليست من مهام الفن أن يرصد الأحداث التي تمر بالمجتمع إلا كظواهر يمكن من خلالها الولوج من خلالها إلي العمق.
وبما أن المسرح فن بطئ - بحكم التكوين -  في عملية استيعاب المتغيرات الاجتماعية والسياسية فإنه اقل قدرة من غيره من الفنون على رصد وتفسير التحولات اليومية في المجتمع المصري (خاصة في ظروف مثل التي نمر بها) إلا عبر التيارات الراديكالية في المسرح المنحازة بشكل مسبق وغير مرتبطة بمعطيات الواقع مثل مسرح الجريدة الحية أو المسرح التسجيلي .. الخ ، وهي المسارح التي تتخذ من الوقائع اليومية مدخلاً للتأكيد على أفكار مسبقة و نهائية .. وذلك عبر عمليات التأويل لتلك الوقائع كي ما تصبح معبرة... وهو ما يعني أيضاً أنها لا تعبر إلا عن أفكار منفصلة عن تلك الوقائع اليومية وسابقة عليها.
زمن خلال تلك المعطيات يمكننا أن نصل إلي تصور مبدئي يقودنا إلي الخروج من الأزمة التي رصدها الكثير من النقاد والمسرحيين حول تراجع الفن المسرحي وهشاشة وخفة العروض المسرحية التي حاولت التعبير عن الواقع الثوري.
وأول خطوة في ذلك التصور هو حتمية نسيان الثورة كحدث واقعي ومحاولة البحث عن القوي التي تشكل كل الوقائع خلال العشر سنوات الماضية (أو أكثر).. سواء الدينية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية.. الخ... وذلك حتى نتخلص من تلك التصورات المرتبطة بالأحداث اليومية.. وبالتالي الوصول إلي الخطوة التالية وهي تأمل ومعرفة تلك القوي التي شكلت واقعنا ومعرفة علاقاتها المتشابكة.. ومن ثم يصبح اختيار النص المسرحي الملائم أمر ممكن بشكل مبدئي..فلا يوجد نص مسرحي دون وجود لعلاقات وصراعات بين أفكار مختلفة.
وبهذا نكون قد عبرنا أول خطوة في المشكلة... مجرد خطوة واحدة 

ليست هناك تعليقات:

المحاكاة الساخرة (الباروديا) .... ماكينة الهدم والتحطيم

يبدأ المشهد بفريقين لكرة القدم يقفان في مواجهة بعضهما البعض ... الأحمر إلي يسار المتفرج والأبيض إلي يمينه، ربما يبدو المشهد مألوفاً ودلال...