الأربعاء، ديسمبر 19، 2012

مسرحيون تحت خط الصفر




ربما لم ينتبه المسرحيون أنهم كانوا طليعة الفئات التي خرجت تطالب بحقوقها عبر التظاهر في عام 2005 فقبل ذلك التاريخ لم يكن من الممكن أن تخرج جماعة أو فئة  لمطالبة النظام بتحقيق مطالب خاصة بتلك دون أن ينتهي الأمر بحملة اعتقالات كما كان يحدث للعمال في هيئات السكك الحديدية أو النقل العام .. الخ .
لقد خرج المسرحيون ليطالبوا بثأرهم الشخصي في حريق بني سويف وعادوا إلي منازلهم دون أن يتعرض أياً منهم للاعتقال أو الملاحقة الأمنية  ، صحيح أن تلك المظاهرات لم تسفر عن شيء يذكر خاصة في ما يتعلق بمحاسبة وزير الثقافة (فاروق حسني) لكنها نبهت فئات أخرى إلي أن هناك مناخ جديد قد تشكل وان الخروج للمطالبة بالحقوق أصبح عملاً غير محفوف بالمخاطر ، فقواعد اللعبة قد تغيرت وأصبح الأعلام والإنترنت شركاء في كل مظاهرة أو اعتصام أو إضراب .. الأمر الذي قيد يد الدولة العنيفة وجعلها تفكر ألف مرة قبل أن تشرع في استخدام أساليبها القمعية التقليدية... لقد شارك المسرحيون بخروجهم (المحدود) في تغيير الواقع وإيقاظ الإحساس الجمعي لدي العديد من الفئات والجماعات داخل الوطن .
لكن المفارقة الغريبة في ذلك الأمر هو أن تلك الجماعة المسرحية لم تستطع حتى اليوم أن تكتشف ذاتها كجماعة مصالح، فلم يزل السائد هو قانون المصلحة الفردية والمجموعات المحدودة النشطة التي لا تحظي بدعم واسع داخل الحركة المسرحية.. وذلك على الرغم من تلك الضغوط وعمليات الحصار التي تعاني منها الحركة المسرحية منذ عصر مبارك وحتى عصر الأخوان والسلفيين ، فرغم معرفة الكل بحجم الأزمة و عمقها وخطورتها على الحركة المسرحية فإن كافة المحاولات لم تزل محدودة القدرة والتأثير لأسباب تتمركز في معظمها حول طبيعة العلاقة بين المسرحيين والمسرح  كمهنة  ناحية و العلاقة بين الجماعات المسرحية المنتمية لأنماط إنتاجية مختلفة من ناحية أخرى ، وهو الأمر الذي أفرز في النهاية علاقات مشوهة يصعب أن تؤدي أنتاج وعى جمعي بالمصالح المشتركة بين العاملين في المجال المسرحي .
فعلى مستوي العلاقات بين الأنماط الإنتاجية يمكن أن نعود للتاريخ لنكتشف مدي الانفصال بين المؤسسات المسرحية التابعة للدولة فكل منهم يحيا في جزيرة منفصلة وغير مهتم بما يجرى خارج تلك الجزيرة ، وتنحصر العلاقات في حدها الأقصى ببرتوكولات للتعاون تنتهي صلاحيتها عند حدود السماح لعرض من الثقافة الجماهيرية بأن يقدم على خشبة مسرح تابعة للبيت الفني للمسرح أو العكس ... لكن لا يمكن أن نعثر مثلاً على أليه لتصعيد العناصر المتميزة للتحول لجزء من مسرح الدولة أو دعم مسرح الدولة لعرض أنتاج نوادي المسرح .. الخ بل وعلى العكس تسود حالة من الطبقية غير المبررة وتحديد لحدود الهواية في مقابل حدود الاحتراف (كما لو أن هناك احتراف فعلى بالمسرح المصري !!) .. وبالتأكيد يمكن أن نجد ذات الأزمة في العلاقة بين المستقل و عضو مسرح الدولة
يزداد الأمر خشونة مع تبادل الاحتقار ونفي الأخر واحتجازه في نعوت مثل الفنان الموظف أو فنان الثقافة الجماهيرية أو الهواة (المستقلين).
إن ما سمح لتلك النزعات الطبقية أن توجد هو النظام المسرحي الذي أفسد العلاقات وقطع الجسور التي تسمح بمسار مهني طبيعي يمكن الموهوبين وأصحاب المشاريع المسرحية من التحرك داخل النظام بشكل صاعد بداية من قصر حق الانتساب لفرق مسرح الدولة على خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية .. حتى لو لم يحمل بعضهم اهتمام بالمسرح.
وهو الأمر الذي أدي لتعقد العلاقات بين المسرحين ومسرح الدولة الذي يفترض أنه حامل ثقافي في إطار احترافي .. فلا وجود للمشروع ولا وجود لميزانيات تسمح بظهور مسرح احترافي حقيقي بما يجعل من الطبيعي أن تهرب العناصر المتميزة للعمل بالسينما والتلفزيون في حين تبقي العناصر التي لا تمتلك لمقومات تؤهلها للعمل بتلك المجالات التنافسية (وبالتأكيد أكثرها غير لائق أصلاً).
وفي مقابل فإن البعض ممن لم يستطع الولوج لداخل المؤسسة أو أستشعر فسادها وجد نفسه أسير دائرة مفرغة وبالتالي  أصبح من الطبيعي أن يحاول طرح نفسه إما كبديل لمسرح الدولة (كما يفعل المستقلون) أو ينهار ببطء كما يحدث لكثير من مسرحي الثقافة الجماهيرية .
وإذا وضعنا كل ذلك جانباً وحاولنا أن نبحث في أسباب أخرى لذلك التداعي للإحساس بالوعي الجمعي فسوف نجد أن نقص الوعي يرتبط في جزء منه بفقدان لمفهوم المهنة لدي الكثيرين.. فالمسرح ليس بالمهنة التي يمكن أن تجعل هناك ارتباط اقتصادي بين حياة مجموعة من البشر وبين استقرار ظروف العمل وبالتالي فإن وجود اهتمام بالتعاضد أو التوحد من أجل الدفاع عن مصالح مادية غير متوافر... فالمسرح في مصر قائم كمشروع ثقافي ودعمه و الحفاظ عليه لا يتم خارج تلك الحدود.. ولأن المسرحين – في معظمهم – لا يحملون مشروعاً ثقافياً أو وطنياً محدد المعالم فإن بزوغ بروح جماعية من ذلك النوع يعتبر من الأمور المدهشة إذ ما حدثت والتي يجب التوقف عندها ودراستها.
إن المسرح المصري تحت خط الصفر.. خط التجمد .. خط الخطر .. فبدون أحساس جماعي لا وجود لمستقبل لتلك (المهنة) المحاصرة من كل الجوانب بداية بالحصار الاقتصادي مروراً بحصار السينما و التلفزيون و الإنترنت .. وصولاً للحصار الثقافي والحضاري الذي يفرضه الإسلام السياسي عليه.
وإذا كان المسرح تحت خط الصفر.. فإن مستقبل وواقع المسرحيين لن يختلف بالتأكيد طالما ظلوا في وضعهم المزري.

ليست هناك تعليقات:

في انتظار العائلة ... ثنائية البراءة والذنب

  منذ الوهلة الأولى، يتجلى عرض في انتظار العائلة بوصفه دراما تعبيرية تدور في فلك العالم الداخلي لمحامٍ يسعى للموت في أجواء كابوسية، حيث تطال...