الأربعاء، أغسطس 29، 2012

الشخصية الدينية في الدراما ... مصادر متنوعة ومقاومة للتجريد




هناك انجاز ما قد تحقق على مستوي العقل العربي ...  أنجاز صامت برغم ثوريته .. وعميق وحاد برغم خفوته و عدم بروز دلائل كبري عليه ، أنجاز يبدو وكانه ولد في هامش العقل الذي تهيمن عليه حالياً أصوات متشددة وتجريديه تنطلق من يقين بأن هناك أصل واحد ووحيد يمكن رد كل تجلي إليه ، كما تؤمن أن هذا الأصل قد وجد ومعه نقيضه الذي يحاربه و يناهضه ، ينتعش في ظل خموده ، و يتصاعد عند هبوطه .. أحياناً ما يطلق عليه النقيض (الغرب) ، وأحياناً ما يطلق عليه بلفظ فضفاض و غائم (أعداء الأسلام ).... ولكن ذلك الإنجاز يبدو وكأنه قد تخطي تلك الهيمنة الظاهرية وحفر لنفسه مسار و أوجد حقول ومجالات عمل بعيداً عن الخطاب الديني المتشددة أو حتى التقليدي.
ربما يبدو لفظ أنجاز وكأنه ترحيب تبشيري ، وربما يبدو أيضاً تضخيم من حجم مسلسل ديني يتناول شخصية واحد من كبار الصحابة وثاني خلفاء الراشدين (عمر بن الخطاب) ، ولكن وعلى الرغم من ذلك فإن ما يقصد هنا من ذلك اللفظ هو التأكيد على بروز حدث جديد داخل الخطاب الديني و الاجتماعي للحد الذي جعل من الممكن أن يعرض على شاشات التلفزة العربية مسلسل يتناول شخصية لطالما ظلت محرمة على التجسيد سواء عن طريق الرسم أو الأداء ، وهو ما يعني أن هناك تراكم ما قد تحقق داخل العقل العربي خلال سنوات أو قرون جعل من الممكن أن تتخطي العقلية المسلمة/ السنية التجريد الذي كانت تحيا فيه و تهبط إلي عالم التجسيد .
ومن هنا فإن ما نقصده بالإنجاز هو تحقق لتحول عميق وإضافة لممكنات جديدة و أمكانيات جديدة .. وهو ما يتجاوز بالطبع أي مسلسل .
ويمكن لتفهم طبيعة وحجم ذلك التحول الأبتعاد قليلاً عن ذلك الأشتباك اليومي والمرير بين القوي السياسية المتناحرة والعودة إلي زمن يبدو أكثر أستقراراً ومحسوم لصالح قوة عسكرية مهيمنة تفرض خطابها وأفكارها على المجتمع وتقوم بقمع أي خطاب معارض ، ونقصد هنا فترة الستينيات حين كانت الدولة تتبني خط أشتراكي قومي صريح وتحمل عداء دموي تجاه أي مشروع مخالف حتى لو كان ذلك الخلاف شديد الخفوت .
في ذلك الوقت وتحت سيطرة تلك الدولة (التي تبدو منتمية لقيم مناهضة لقيم الأسلام السياسي) منع عرض (الحسين ثائراً) للكاتب عبد الرحمن الشرقاوي والمخرج كرم المطاوع ، وذلك لإعتراض الرقابة و الأزهر على تجسيد شخصية (الحسين بن على) على خشبة المسرح .. وهو ما واجهه المخرج بأن قام بمد فترة البروفات وعرض المسرحية لمدة ثلاثون يوماً تحت مسمي (بروفة جنرال / نهائية) ودعوة الكثير من المهتمين و المثقفين الاعلاميين لحضور العرض تحت ذلك الستار ... ولكن على المستوي الرسمي فإن العرض منع من العرض ولم يفتح أبوابه للجمهور.
من هنا تبرز قوة وثورية عرض مسلسل يتناول شخصية من كبار الصحابة في ذلك الوقت ، وهو ما يستدعي البحث في المصادر التي جعلت من الممكن لذلك المسلسل أن يكتب ويقدم عبر شاشات التلفزة ، بل وفي المصادر التي جعلت من الممكن أن يتم التفكير في تقديم تلك الشخصية عبر الدراما التلفزيونية من الأساس ... على الرغم من ذلك الصعود الكبير للتيار الديني  سواء السياسي أو العقائدي ... وهو ما يمكن أن تتصاعد قيمته الثورية عبر تحليل الخطاب النقدي و الإعلامي المصاحب له و الذي أستخدم لعبارات التيار المتشدد وأحتلها وقام بإعادة تكوين الحقل الذي تتحرك فيه للدفاع عن المسلسل .
ولعل أول تلك المصادر هو تخلص الإعلام التدريجي من هيمنة الدولة المباشر .. فعلى خلاف المسرح الذي كان ولم يزل إلي الآن تحت الرعاية والرقابة الأجتماعية والسياسية وهيمنة الدولة عليه ، فإن الدراما التلفزيونية تحررت من تلك الرقابة المباشرة وذلك الحضور المباشر و الصريح للنظام السياسي داخل المؤسسات الإعلامية... وتحولها إلي فضاء مشترك متعدد الهويات يمكن فيه لطبق أستقبال التحرر من هيمنة الدولة المصرية أو السعودية بالإنحراف جهة اليمين أو اليسار وبكبسة زر واحدة ، وبالتالي فإن تلك المساحات الجديدة التي أكتسبها الفضاء العربي على مستوي القنوات الفضائية أوعلى مستوي الإرتباط بالفضاء الإلكتروني(شبكة الإنترنت) جعلت من الطبيعي تراجع السلطة الرقابية للمؤسسات الدينية فلم يعد للفتاوي المحرمة أنتاج أو مشاهدة الأعمال الفنية نفس القوة التنفيذية التي كانت تمتلكها في الماضي ، ولم تعد هناك سلطات رقابية قادرة على تنفيذ طلبات بعدم عرض أعمال بعينها وحجبها .. بل إن حتى الدعاوي القضائية لم تعد تمتلك ذات الصلاحية مع تمدد الفضاء و عدم وجود هيمنة كاملة لدولة عليه من ناحية و صعود قوي مناوءة لمنع أو حجب القنوات التلفزيونية حتى داخل التيارات الدينية المتشددة .
أما ثاني تلك المصادر فهي تعود للوضع التاريخي الفريد الذي تمر به المنطقة و فتح المجال أمام كافة القوي لتطرح ذواتها و أفكارها في ظل حالة السيولة التي خلفتها الثورات العربية التي هدمت أنظمة القمع الكبري في المنطقة كما وضعت مشروع الأسلام السياسي تحت تهديد حقيقي قد يفتته أو يكشفه .. وبالتالي صار من الطبيعي في ظل تتحلل السلطة القديمة وجود مساحات حرة غير محكومة سواء بشكل مؤقت أو بشكل دائم .
ثالث تلك المصادر يمكن أن نجده في تقلص المساحات الفارقة بين الثقافات في المنطقة وربما كان الحضور الكبير للدرامات التركية و الإيرانية أثر مباشر في إتاحة الكثير من المحرمات على الدراما العربية ، فلقد ظهرت مسلسلات تحاكي الدراما التركية ذاته التوجه الميلودرامي أو الرومانسي ، كما ظهرت وبالمقابل درامات تلفزيونية تقدم موضوعات تاريخية ودينية بشكل ملحمي في محاكاة للدراما الإيرانية .
والمحاكاة هنا ربما ترتبط بالمقام الأول بمحاولة إستغلال العناصر الفنية  التي أسهمت في نجاح تلك الدرامات ورواجها بين المتفرجين العرب ، لكنه تعبر في مستوي أخر عن أكتشاف الفنانين و المبدعين العرب لوجود فراغ كبير شغلته تلك الدرامات الشرقية (التركية /الإيرانية) ويكشف أيضاً عن وجود قوي داخل المجتمعات العربية تمتلك القدرة و الصلاحية لفرض ذوقها الجمالي و الفني برغم السلطات الدينية و المدنية المعارضة .
وعبر تلك المصادر المباشرة يمكن أن نري عشرات المصادر والقوي التي ساهمت بشكل غير مباشر في أمكانية تحقق ذلك الأنجاز .
ولكن ومن جانب أخر فإن تلك المصادر وتفاعلها تضع المسرح كفن حي ومباشر في مواجهة أزمته الحقيقية التي ربما لن يتمكن من تجاوزها قريباً .. أزمة علاقته بالمجتمع وسلطاته و كيفية إعادة ترتيب تلك العلاقات بما يهب المسرح أكبر مساحة من الحرية وأعمق أتصال ممكن مع المجتمع .

ليست هناك تعليقات:

المحاكاة الساخرة (الباروديا) .... ماكينة الهدم والتحطيم

يبدأ المشهد بفريقين لكرة القدم يقفان في مواجهة بعضهما البعض ... الأحمر إلي يسار المتفرج والأبيض إلي يمينه، ربما يبدو المشهد مألوفاً ودلال...